فنون الذاكرة: غناء السويحلي في وادي الفرات

ياسر شوحان

جسر: ثقافة:

هو لون من الألوان الغنائية السورية، ويعتمد على الشعر الشعبي الغنائي التقليدي الذي اشتهرت به المنطقة الشرقية والشمالية بشكل عام، وأصبح لوناً غنائياً واسع الانتشار في منطقة وادي الفرات وريف حلب بشكل خاص كلون غنائي أصيل ذو طابع يغلب عليه الغزل والحب.

فرقة غناء شعبي في وادي الفرات

وقد ساعد غناء السويحلي على توثيق بعض من جوانب الحياة الاجتماعية أو الحدود المكانية لها من خلال ذكر بعض الأماكن التي لم تعد موجودة الآن. أما في منطقة وادي الفرات فقد لا تخلو مناسبة فيها من غناء السويحلي، باعتباره تراثاً موسيقياً يعتمد على ألحان أصيلة وكلمات تلامس الذائقة الشعبية للعامة.

اشتهرت منطقة الرقة وشمال حلب ومنطقة الجزيرة والفرات بغناء هذا النوع من الألوان الغنائية، إلا أن انتشاره شمل كافة المناطق السورية، وفي الأصل فإن هذا اللون يعود إلى بلاد الرافدين ويسمى هناك بـ (نايل مقلوب)، كما أنه معروف في معظم البلاد العربية، حتى وإن كان تقليداً بسيطاً لهذا اللون الأصيل.

ويذكر الباحث عبد القادر عياش في كتابه “غزليات من الفرات” بأن غناء السويحلي مشترك بين الفرات وعشيرة العنزة وعشيرة الجبور السورية والعراقية، عدا عن أنه ينتشر أيضاً في مناطق الشمال العراقي كالموصل ومنطقة قبائل الدليم.

يُعتبر السويحلي من أعذب الأشعار الشعبية وهو رقيق الشعر الذي يميل فيه إلى العذاب والحزن والحب المؤلم. وقد يمتزج الشعر فيه أيضاً بمشاعر الفرح ولكن نادراً. ويُذكر أن المعمرين من أبناء الرقة يذكرون أن هذا اللون الغنائي قدم إلى الرقة من الشرق أي “من شرق الفرات”.

ويضيف الباحث محمود النجرس أن السويحلي “يصنف ضمن مجموعة الأغاني البدوية-الريفية إلى جانب العتابا والنايل، وهو من أغاني القبائل شبه المستقرة الذي يتميز غناؤها بالتقاء الغناء البدوي الذي يتم التأكيد فيه على كل صوت بصورة واضحة دون وجود المحسنات بالغناء الريفي الذي تتخلله مقاطع مهمة من الأداء الزخرفي، والذي لا يعتمد على أهمية الكلمة بقدر اعتماده على جمالية ومقدرة الصوت”.‏

للسويحلي تركيبة بناء شعرية تتألف من أربع شطرات متشابهة الوزن والقافية، وهو ذو صور وألوان حافلة بالمشاعر، وذو أنغام كثيرة ومادة غزيرة.

ويسمى السويحلي في العراق النايل المقلوب أو (الدارامي) ولا يختلف عنه سوى في تبديل مواضع الكلمات في البيت الشعري، وقد ترافق هذا اللون الغنائي الشبابة والتي تسمى في منطقة الفرات (الشاخولة)، والمجوز (المطبق أو المطبكَـ)، وفي بعض الأحيان الطبل أو المزمار المفرد، وأحياناً الربابا، وقد يُغنى السويحلي بدون أي آلة موسيقية.

إن لكل بيت في غناء السويحلي لازمة هي نفس صدر البيت مثل:

بالقلب رسمك.. خلك بعيد بلاد.. بالقلب رسمك

كل من على اسمك.. القلب له يفتاج.. كل من على اسمك1

أو كأن يقول الشاعر:

ما سولفولك.. عقبك وردت الموت.. ما سولفولك

ومن شفت زولك.. طاب الوجع وبريت.. من شفت زولك2

ولا يرتبط بغناء السويحلي أن يؤدى أمام جمهور معين، وإنما لون تراثي بحت يُؤدى في كافة المناسبات في الأفراح والحصاد وقطاف القطن وأيضاً لأغراض الشعر المختلفة كالمدح والفخر والوصف والحكمة وغيرها.

يتركب السويحلي من بيتين شعريين الكلمتان الأخيرتان في صدريهما متجانستان جناساً ناقصاً، والكلمتان الاخيرتان في عجزي البيتين طليقتان أو حرتان مثل: (أسمر وإلو شامة والعين عين الطير… طحت بغرامه ارحموني يا أهل الخير).‏ وفي الغناء عادة ما يكرر المغني غناء صدر البيت بعد الانتهاء من أداء البيت غنائياً وقد يبدأ بزيادة إيقاعية تُلفظ (أويلي) وهكذا، ومنهم من لا يعيد ترديد الشطر الاول (أو صدر البيت) وإنما ينتقل بعد أداء البيت الأول مباشرة لأداء البيت الثاني بعد أداء بعض المحسنات او الإضافات لتوازن اللحن.

وكان غناء السويحلي قديماً يغنى بمرافقة جوقة أو بدونها، كما أنه يُغنى على مقامات عديدة، وساد العرف عند غناء السويحلي أن يُنسب إلى الآلة التي ترافقه فيقولون ( سويحلي زمارة، سويحلي ربابة، سويحلي منفرد).

 

1 ـ رسمك: صورتك، خلك: إبق، يفتاج: يرتاح.

2 ـ سولفولك: قالوا لك، زولك: خيالك، طاب: زال الألم، بريت: شفيت.

قد يعجبك ايضا