رامي مخلوف تيريزا*

عمر قدور

حسر: راي:

رامي مخلوف/فيسبوك

لم يُعرف عن رامي مخلوف شغف بالظهور الإعلامي، اسمه وسيرته كانا يتكفلان بوجوده في الإعلام من دون أن يفعل ذلك. هو الواضح والغامض معاً؛ الواضح لجهة ما يتداوله السوريون عن الحجم الهائل للإمبراطورية المالية التي كانت بإدارته، والغامض لعدم معرفة أحد بحدود تلك الإمبراطورية، وبتفاصيل الشراكة المالية بينه وبين بشار الأسد شخصياً.

الظهور الإعلامي الأبرز لرامي مخلوف كان في أيار 2011، عندما صرّح في مقابلة مع صحيفة “نيويورك تايمز” بأنه لن يكون هناك استقرار في إسرائيل إذا لم يكن هناك استقرار في سوريا. التصريح فُهم آنذاك رسالةً على أعلى مستوى من التركيبة الأسدية، مفادها أن بقاء الأسد هو مصلحة إسرائيلية. حينها كانت أنيسة مخلوف على قيد الحياة، “العمة” التي ستتحدث لاحقاً تقارير غربية عن دورها في قيادة الحرب على ثورة السوريين، مطلقةً عليها لقب الملكة بخلاف صورتها التي كانت دارجة كزوجة لحافظ الأسد بعيدة عن الحياة العامة وعن مفاصل السلطة.

صعود محمد مخلوف “والد رامي وشقيق أنيسة” أتى متدرجاً، لتعلو مكانته ضمن الدائرة الضيقة للحكم مع مرض حافظ الأسد ثم وفاة ابنه باسل. لم يتأخر حافظ الأسد بعد انقلابه في تعيين مخلوف مديراً لمؤسسة التبغ، تختلف الروايات حول جلبه من بيروت حيث كان يستمتع بحياته الشخصية هناك أو كونه موظفاً في شركة طيران، المهم أن شقيقته أنيسة وضعته مبكراً في رئاسة مؤسسة تحتكر شراء التبغ وتصنيعه واستيراده وتصديره، لتشهد في عهده أضخم تردٍّ على كافة المستويات جراء فساده. جدير بالذكر أن رئاسة مؤسسة التبغ ستؤول في ما بعد، كدلالة على أهميتها، إلى شخص تربطه مصاهرة بآل الأسد وحامت شبهات غربية حول تورطه في تفجير ملهى في برلين منتصف الثمانينات.

بقيت أنظار السوريين حتى منتصف الثمانينات متجهة إلى شخصيات أكثر بروزاً، مثل رفعت الأسد وعلي حيدر وشفيق فياض…، فلم يدخل اسم مخلوف في التداول إلا مع انتشار فضائح الفساد المنسوبة له بعد تعيينه مديراً للمصرف العقاري إثر إعفائه من إدارة مؤسسة التبغ عام 1985. بدءاً من التسعينات سيلمع اسم مخلوف على صعيدين، صعيد السلطة خاصة بعد مقتل باسل الأسد، وعلى الصعيد الاقتصادي بعد إقرار قانون جديد للاستثمار اعتُبر حينها طيّاً للشعارات الاشتراكية وانفتاحاً على اقتصاد السوق. في أهم جوانب ذلك الانفتاح، أنه كان حاجة لحيتان السلطة نفسها التي أثرت على حساب الثروات العامة، وحان وقت استثمار أموال الفساد في نشاطات اقتصادية تدر أرباحاً أكبر مما تمنحه المصارف الأجنبية على الودائع.

لم ينقضِ عقد التسعينات حتى صارت سيرة رامي مخلوف على لسان السوريين، وراحت المرويات المتناقلة بينهم، وفي بعض وسائل الإعلام في الخارج، تربط بين بشار ورامي، وبين شقيقه ماهر الأسد ومحمد حمشو، واعتبار مخلوف وحمشو واجهتين لفساد آل الأسد. قبل نحو عقد ونصف من الآن، قُدّرت أملاك رامي بنحو مئتين وخمسين شركة كبرى تنشط في سوريا وخارجها، مع نشاط ملحوظ في الدول التي تتيح مجالاً أوسع للتهرب الضريبي والتحايل على القوانين. حظيت شركة الاتصالات “سيرياتل” التي يرأسها مخلوف بالنصيب الأوسع من الاهتمام، بينما لم تحظَ شركات أخرى بالانتباه لوجود مديرين آخرين في الواجهة، ومنها مثلاً أضخم شركة لتوريد المستلزمات الطبية، وهي شركة احتكرت بسرعة توريد مستلزمات المستشفيات والمستوصفات العامة السورية، تغطي على ملكية مخلوف لها إدارتُها من قبل ابنة ممثل معروف سيفاجئ بعض السوريين لاحقاً بموقفه المعادي للثورة وشديد الولاء لآل الأسد، هو الذي قامت شهرته السابقة على تقديم أعمال ناقدة.

مع مستهل الثورة، علاوة على ربط رامي مخلوف بين استقرار حكم الأسد واستقرار إسرائيل، أعلن عن تفرّغه للأعمال الخيرية من خلال شركته راماك. مدخله الأهم إلى الأعمال الخيرية المزعومة كانت جمعية البستان، واسمها مشتق من قرية عائلته “بستان الباشا”. سيقوم العمل الخيري على إنشاء ميليشيا مسلحة تساعد قوات النظام وشبيحته في التصدي للثورة، مع تقديم مساعدات يُضخّم في تصويرها لشراء ولاءات الفقراء الذين لن يفوتهم اعتبارها منّة من ثروة آل الأسد لا من الثروة الشخصية له.

في تسجيله الأخير قبل يومين، كان ذلك العمل “الخيري” من النقاط التي ركّز عليها مخلوف لتبديد الصورة عن كونه واجهة لبشار، ولينسب فعل “الخير” إلى شخصه، بل ليبدو كأنه يطالب بشار الأسد بأن يحذو حذوه في فعل الخير بتوزيع المليارات التي سيحصّلها منه على الفقراء. مع محاولة إظهار علامات الورع والخشوع، بما في ذلك وضع عنوان “كن مع الله ولا تبالي”، يريد مخلوف تصوير نفسه كأنه الأم تيريزا، بل لا يتوانى عن القول أن الله سخّره لخدمة الفقراء، وكأنه ليس واحداً من أبرز رموز الفساد، ووريث أب من روّاده الأوائل.

بعد إبداء التزامه بدفع المبلغ المطلوب بناء على توجيهاته، يتحدى رامي مواربةً ابن عمته أن تكون المبالغ التي سيحصّلها منه لصالح السوريين، ولا تنقصه الصراحة لإعلان عدم ثقته بالباقين جميعاً الذين يتهمهم ضمناً بالفساد، واستثناء بشار وحده على هذا النحو لا يعني سوى الإبقاء على شعرة من المصالح. أما “تواضعه” بوصف نفسه كجزء يسير بسيط صغير من القصة، وإشارته إلى مجيء وقت يشرح فيه التفصيلات والأملاك واحدة واحدة، فقد ينطويان على التهديد بفضح أسرار الشراكة بينهما.

قبل قرابة عقدين، اضطر رجل الأعمال المصري نجيب ساويرس إلى مناشدة بشار الأسد “عبر الإعلام أيضاً” التدخل لإجبار ابن خاله على الوفاء بالتزاماته تجاه شراكة بينهما، وفي زمن الوئام العائلي ذاك دافع بشار الأسد عن ابن الخال أمام وسائل إعلام غربية بالقول أنه يحظى بفرصة الاستثمار كأي مواطن سوري آخر. ربما أذن رحيل أنيسة مخلوف عام 2016 بانفراط العقد بين عائلتها وعائلة الأسد، من دون أن ننسى التباين القديم بين آل مخلوف الذين يرون أنفسهم أكثر وجاهة وآل الأسد الذين تحصّلوا على الوجاهة عبر السلطة، بل كان زواج حافظ من أنيسة نوعاً من الترقي الاجتماعي له والذي كانت له آثار على تركيبة السلطة. إذا صحت الأنباء عن وجود حرب بين أسماء الأسد ورامي مخلوف، تكون الأولى في موقع من يستعيد سيرة حماتها بعد انتظار طال للتنعم بامتيازات السيدة الأولى على النمط الأسدي.

تسع سنوات بالتمام انقضت بين تصريح رامي مخلوف لصحيفة “نيويورك تايمز” وظهوره قبل يومين على وسائل التواصل الاجتماعي، الفارق بينهما على صعيدي الشكل والمضمون يفضح تردي مكانته، لكنه في الحالتين لا يكفّ عن تقديم مؤشرات على ضعف العصابة الحاكمة؛ في المرة الأولى على ضعفها إزاء الثورة، وفي المرة الثانية على تهافتها وركاكتها الذاتيين. من مخاطبة إسرائيل إلى مخاطبة بشار، إنها نهاية بائسة حقاً!

____________________________________________________________________________

*نشر في المدن السبت 2 أيار/مايو 2020، للقراءة في المصدر اضغط هنا

قد يعجبك ايضا