اﻷغاني الحورية: من أوغاريت.. أقدم نوطة موسيقية في التاريخ

ياسر شوحان

جسر: ثقافة:

من رأس شمرا “أوغاريت”، على مسافة 12 كم إلى الشمال من مدينة اللاذقية، كانت بداية التدوين الموسيقي؛ مثلما كانت أول أبجدية في العالم.

مدخل القصر الملكي في أوغاريت ، حيث تم العثور على الأغاني الحورية/ويكيبيديا

تعود بدايات استيطان الإنسان في أوغاريت إلى منتصف الألف الثامن قبل الميلاد، إلا أنه وفي بداية الألف الثاني قبل الميلاد، بلغ الاستيطان أقصى توسع له، وترافق مع استخدام الأبجدية الأوغاريتية التي حلّت محل النظام الكتابي المقطعي. ولم يقتصر استخدام الرموز الأوغاريتية على الكتابة فقط، بل استُخدمت أيضا في تسجيل أول سلم موسيقي، والذي اعتمده فيثاغورث للموسيقى الغربية بعد حوالي ألف عام على ظهوره في أوغاريت.

راؤول فيتالي محاضرا في جامعة اللاذقية/ويكيبيديا

في عام 1957 اكتُشف في أوغاريت 36 رقيما طينيا تحمل رموزا تشير إلى أقدم تنويط موسيقي، وقام بفك رموز بعض هذه الرُقُم العالم السوري راؤول فيتالي، والذي قام بتحديد درجات السلم الموسيقي، حيث أطلق المنقبون على هذه المجموعة (ح)، وذلك إشارة إلى اللغة الحورية التي كُتبت بها الرُقم الموسيقية، وقد كانت معظم هذه الرُقُم مكسّرة باستثناء الرقيم (ح-6 الأغاني الحورية)، وقد أشار عالم الآثار الأمريكي هانس غوتربوك إلى أن الكلمات الأكادية المكتوبة تحت النص الحوري هي نفس أسماء الأبعاد الموسيقية المذكورة في رُقُم بلاد الرافدين، وقد حملت هذه التدوينات الموسيقية العائدة لعام 1400 قبل الميلاد تضرعا وابتهالات للآلهة نيكال آلهة البساتين، والتي تسمى السيدة العظمى المثمرة، وقد وُجدت بشكل شبه كامل مما يجعلها، بحسب مختصين، اقرب مثال للتدوين الموسيقي في العالم، وقد تعذرت ترجمة النص بشكل كامل؛ وذلك لأن اللغة الحورية غير مكتشفة بالكامل، وما تُرجم من نص هو: (هذا غناء على “نيد قبلي” نشيد الآلهة، دوّنه أمورابي)، ويُذكر أن نيد قبلي هو مقام موسيقي قديم بحسب الدراسات الموسيقية الأثرية.

الرقيم ح-6/ويكيبيديا

وقد تابع فيتالي ترجمته للنص الموسيقي وتنويط النشيد، وأعاد ترتيب السلم الموسيقي، ويحتوي النص الموسيقي نصا كتابيا يحمل إرشادات لعازف آلة “الهارب”، وكيفية عزف الترنيمة صوتيا، وقد استطاع الموسيقار السوري مالك جندلي أن يضع الإيقاع والهارموني، ويُعيد التوزيع الموسيقي، بعد أن حوّله إلى عمل فريد بعنوان “أصداء أوغاريت”، ثم قدّم مقطوعاتها برفقة الأوركسترا الفلهارمونية الروسية، وذلك في عام 2008، حيث تدور فكرة النص الموسيقي، حسب د. محمد فتحي عبد العال، حول ابتهال يتحدث عبر أنشودة حزينة عن زواج إله القمر “يرخ” من الآلهة “نيكال”، والذي لم يُسفر عن إنجاب، فشعرت نيكال أنها ارتكبت إثما في حياتها تُعاقب بسببه، فراحت تتضرع إلى الآلهة وتقول كلماتها المدوّنة بأسلوب السلم السباعي الموسيقي:

سأرمي عند قدمي الحق “أو قدمي عرشك المقدس” خاتم رصاص

سوف أتطهّر؟ وأتغيّر من بعد الخطيئة

لم تعد الخطايا تغطيها ولا حاجة أكثر إلى تغييرها

قلبي مطمئن بعد أن أوفيتُ نذري

سوف تعزُّني مولاتي

ستجعلني عزيزا على قلبها

فنذري سيغطي ذنوبي، وسيحل زيت السمسم بدلا مني

في حضرتك اسمحي لي

إنك تجعلين العاقر خصيبة، والحبوب تعلو صعودا

إنها الزوجة التي ستحمل الأطفال إلى أبيهم.. هي التي إلى حد الآن لم تُعط أطفالاً تحملهم.

تنويط اﻷغاني الحورية، قراءة راؤول فيتالي/انترنت

وقد أثارت هذه التدوينات الموسيقية موجة كبيرة من الاهتمام لدى الموسيقيين، وحظيت بترجمات عديدة منها للأستاذ ديفيد ولستان D.Wulstan والسيدة مارسيل دوشين جيومان، والسيدة آن كيلمر التي أوضحت في ترجمتها أن مقام “نيد قبلي” مطابق لمقام عجم، بالإضافة إلى ترجمات موسيقية أخرى قام بها ديتريش ولورتيز، ويذكر فيتالي في بحثه “أقدم موسيقا معروفة في العالم” المنشور في مجلة الحياة الموسيقية، أن للنص الموسيقي لازمة تدعى “شاشيني”، وتعني المقطع المُعاد.

كل هذا الاهتمام بالترجمات الموسيقية لانغام مرت عليها آلاف السنين؛ يؤكد خلود الفن ورسالته، وأن هذه الألحان التي عزفتها تلك الأصابع أعلى صوتا من الرصاص، فالأشرار لا يغنون.

قد يعجبك ايضا