تل المريبط: في أعماق البحيرة.. أقدم القرى الزراعية في وادي الفرات

ياسر شوحان

جسر: ثقافة:

بالنسبة لعالم اﻵثار، تُعد منطقة وادي الفرات من أكثر المناطق أهمية في العالم؛ وذلك لما تحويه من مواقع أثرية ضاربة في القدم، حيث ظهرت في هذه المنطقة الزراعة وتدجين الحيوانات والتي تُعد ثورة ذات أهمية كبرى خلال تسلسل التاريخ البشري.

تل المريبط 1970

يقع تل المريبط الأثري على الضفة اليسرى لنهر الفرات، إلى الغرب من مدينة الرقة بنحو 100 كم، وعلى بعد حوالي 80 كم جنوب شرق مدينة حلب، تُقدّر مساحة التل الأثري بثلاثة هكتارات، ويرتفع عن المحيط بنحو 12 مترا، وقد غمرته مياه بحيرة سد الفرات في سبعينيات القرن الماضي، بعد أن قامت بعثة أثرية فرنسية بالتنقيب في الموقع منذ العام 1965، لكن معظم المكتشفات الأثرية والدراسات تمت من قبل جامعة شيكاغو بعد العام 1965، ومن ثم تابع مركز أبحاث البيئة وما قبل التاريخ في فرنسا أعمال الحفريات الأثرية في الموقع ودراسة القطع الأثرية المكتشفة.

تأتي أهمية تل المريبط من كونه كنز معلومات حقيقي حول بدايات أولى عمليات استقرار الإنسان، وبما أن الموقع يعود إلى منتصف الألف التاسع قبل الميلاد، فإن الإنسان في هذا الموقع بدأ يسكن في أكواخ دائرية متواضعة، إلا أنها أكواخ لا تأخذ صفة الديمومة للسكن، من حيث أنها محفورة في الأرض بشكل جزئي ويغطيها الخشب والطين والقصب هذا من ناحية، ومن ناحية أخرى تكمن أهمية الموقع في أن سكانه الأوائل قد استقروا في منطقة وفيرة المياه والغذاء على مدى السنة، حيث أنهم اصطادوا الأسماك والمحار من نهر الفرات كما اصطادوا أيضا، وفي الأحراش القريبة المليئة بأشجار الحور الفراتي والأثل، الخنازير البرية والغزلان، وطاردوا الطرائد الوحشية في وديان الموقع المجاور له، بالإضافة إلى نباتات المنطقة الغنية، ووفرة الطيور البرية في المنطقة.

يعتبر موقع تل المريبط من أهم مستوطنات العصر الحجري الحديث، وذلك لأن الموقع شهد مراحل متعددة من التطور، حيث بدأت المرحلة الأولى منذ 8500 وحتى 8200 قبل الميلاد، ومن هذه المرحلة عُثر على أدوات العصر الحجري العائدة للعصر النطوفي وهي من النوع الميكروليتي، وقد عرف الإنسان في هذه الفترة صيد حمار الوحش والماعز البري والأرانب، كما عُثر على قرون ثيران مدفونة بعناية، مما يدل على بدايات ظهور عقيدة تقديس الثيران.

أما المرحلة الثانية فقد استمرت في الفترة ما بين 8200 وحتى 8000 قبل الميلاد، وقد أصبحت البيوت في هذه المرحلة أكبر قليلا من سابقتها، وتميزت بتصنيع الأدوات الحجرية، وقد نُسبت هذه المرحلة إلى ما يُعرف بالحضارة الخيامية، نسبة إلى موقع الخيام في فلسطين التي تعاصر الموقع تاريخيا، كما كُشف في هذه الفترة أيضا عن استمرارية الاستيطان ما بين نهاية العصر النطوفي وبداية العصر الخيامي.

أما المرحلة الثالثة فقد بدأت من 8000 وحتى 7600 قبل الميلاد، وقد تميزت هذه المرحلة بأن البيوت أصبحت أكثر اتساعا، كما ظهرت الأواني الحجرية والأسلحة المصقولة وأدوات الطحن والجرش، واستمر صيد الغزلان والقوارض في الوقت الذي تراجع فيه الصيد النهري، وانتشر التقاط بذور العدس والقمح والشعير، كما ظهرت في هذه الفترة الفنون ذات الدلالات الدينية كرؤوس تماثيل الربة الأم، وقد عرفت هذه المرحلة بالحضارة المريبطية Mureybétien وهو ما ميّزها عن بقية الحضارات.

تمثال الربة اﻷم من تل المريبط، اﻷلف التاسع قبل الميلاد

المرحلة الرابعة بدأت من 7600 وحتى 6900 قبل الميلاد، وتميزت بتدجين الحيوانات (الثور) لأول مرة، كما ترسخت فيها عقيدة عبادة الأسلاف التي دلت عليها الجماجم البشرية الموضوعة في المنازل بغاية التقديس والعبادة.

كشفت التنقيبات الأثرية في تل المريبط عن سبعة عشر مستوى أثري توزعت فيها البيوت المستديرة في السويات الثمانية الأولى، في حين احتلت المواقد والحفر السويات السابعة وحتى الثالثة عشر، وظهرت البيوت المستطيلة من السوية العاشرة وحتى السابعة عشر.

ومن خلال عمليات الكشف الأثري ظهرت الأدوات التي تأخذ شكل النصال الدقيقة المستقيمة والرقيقة جدا المشابهة للأدوات العائدة للعصر الباليوليتيكي المتأخر (العصر الحجري القديم 40000 قبل الميلاد)، والتي تتألف في مجملها من النصال والمثاقب والخرّامات والأجران ونصال أخرى للخدش والحز بالإضافة للمكاشط، وهذه الأدوات تتشابه بشكل كبير مع أدوات العصر الحجري القديم في الشرق الأدنى، في حين تميز الموقع بالنصال المنجلية، ومن الجدير بالذكر أيضاً أن عينة واحدة من المكتشفات في هذا الموقع في موسم تنقيبي واحد تجاوز تعداد القطع الأثرية فيه خمسة عشر ألف قطعة أثرية، وقد قام الصانع بتشكيل بعض الخطوط الفنية بطريقة الحفر والحز على الأدوات، والتي كان لها مظهر جمالي ليس إلا، حيث هناك حفر لأفعى على بلاطة حجرية من الحجر الكلسي وخطوط متعرجة ومثلثات متناظرة.

لقد بينت جميع المكتشفات الأثرية في تل المريبط وسائر منطقة الفرات الأوسط العمق التاريخي لهذه المنطقة، ومما لا شك فيها أنه لولا غمر البحيرة لهذا الموقع المتميز لتم اكتشاف الكثير من الأدوات، والتي من المحتمل أيضا أن يُكشف عن كيفية انتقال هذه الفترة من مرحلة عصور ما قبل التاريخ إلى العصور التاريخية من خلال مقارنة التسلسل الزمني مع المواقع الأثرية المحيطة به، وقد أبدت البعثات الأثرية العاملة في المنطقة في الستينيات والسبعينيات من القرن المنصرم اهتمامها البالغ بالكشف السريع قبل مداهمة الآثار بغمر مياه البحيرة، التي يبدو أنها حمته من نهب وتخريب تجار الحروب واﻵثار الناشطين في المنطقة مؤخرا.

قد يعجبك ايضا