حرب باردة جديدة ستكون فكرة سيئة

روبرت فورد - السفير اﻷمريكي السابق في سوريا

جسر: متابعات:

روبرت فورد

تابعت كثيراً من المناقشات هنا وفي وسائل إعلام أخرى حول اشتعال حرب باردة جديدة بين الولايات المتحدة والصين. كنت تلميذاً ومن بعدها دبلوماسياً شاباً أثناء الحرب الباردة بين الولايات المتحدة والاتحاد السوفياتي. ولا أزال أذكر خوفنا من الاتحاد السوفياتي والمنافسة المحتدمة على التفوق السياسي والاقتصادي. ومن أجل احتواء النفوذ السوفياتي، تدخلت أميركا عسكرياً بمختلف أرجاء العالم. وتسبب ذلك في كارثة حرب فيتنام. كما دفعت “الحرب الباردة” السوفيات إلى التدخل ضد حركات إصلاحية في المجر وتشيكوسلوفاكيا. وكادت تقع حرب نووية بسبب نشر صواريخ سوفياتية جديدة في كوبا عام 1962. والسؤال الآن: هل سنعاين مثل هذه التصرفات من جديد؟

المؤكد أن أزمة فيروس “كورونا” فاقمت التوترات بين الصين والولايات المتحدة؛ خصوصاً أن إدارة الرئيس دونالد ترمب تلقي اللوم على بكين عن تخليق الفيروس وتمكينه من الانتشار. في المقابل، ردت الصين بغضب، مشددة على رداءة أسلوب إدارة ترمب لأزمة الفيروس داخل الولايات المتحدة. واليوم، هناك سباق بين البلدين على إيجاد مصل. ويساور القلق إدارة ترمب من أنه حال نجاح علماء صينيين في التوصل إلى لقاح أولاً، فإن الصين ربما تمتنع عن تقديمه إلى الولايات المتحدة، بجانب القلق من تعافي الاقتصاد الصيني من الأضرار التي سببها الفيروس قبل الاقتصاد الأميركي. في الوقت ذاته، بإمكاننا تخيل كيف سيستغل ترمب وسياسته القائمة على شعار “أميركا أولاً” اللقاح حال نجاح أميركا في إنتاجه أولاً.

الملاحظ أن العلاقات التجارية بين الجانبين واجهت صعوبات على مدار سنوات عدة. ورد ترمب على الإعانات التي توفرها الصين للصادرات، وانتهاكها لحقوق الملكية الفكرية الأميركية، من خلال رفع التعريفات الأميركية. في كانون الثاني/يناير، توصل ترمب والرئيس الصيني شي جينبينغ إلى تسوية تتطلب من الصين شراء مزيد من المنتجات الأميركية، وتلزم الولايات المتحدة في المقابل تقليل التعريفات المفروضة على المنتجات الصينية؛ لكن الأزمة الراهنة تزيد صعوبة تنفيذ هذا الاتفاق؛ خصوصاً أن مبيعات الشركات الأميركية داخل الصين تتراجع بالفعل.

في الوقت ذاته، تسعى إدارة ترمب إلى الحد من النفوذ التجاري لشركة الاتصالات الصينية العملاقة “هواوي”. وفي هذا الإطار، أوقفت إدارة ترمب مبيعات قطع الغيار إلى “هواوي” من شركات أميركية. وهددت بكين بغضب بالرد بالمثل ضد شركات التكنولوجيا الأميركية.

من ناحيتها، اتخذت واشنطن خطوة إضافية بوقف دخول أموال استثمارية حكومية إلى سوق الأسهم الصينية، وهددت كذلك بإزالة بعض الشركات الصينية من سوق أسهم “وول ستريت”. ولن أناقش هنا المنافسة العسكرية المحتدمة بين البلدين، وإنما سأكتفي بالقول إنها بلغت حداً خطيراً؛ خصوصاً في بحر الصين الجنوبي.

الواضح أن الموقف الأميركي سيزداد حدة. ومع انطلاق حملة الانتخابات الرئاسية في تشرين الثاني/نوفمبر سيتحول موقف ترمب العدائي إزاء الصين إلى حجر الزاوية لحملته من أجل إعادة الانتخاب. ويشير مستشارو ترمب إلى استطلاع رأي أجراه معهد “بيو” للأبحاث في 13 نيسان/أبريل، كشف أن 62 في المائة من الأميركيين يعتقدون أن الصين تشكل تهديداً كبيراً للأمن الأميركي، أكثر من روسيا وإيران.

في تلك الأثناء، يحتاج جوزيف بايدن، منافس ترمب في نوفمبر، إلى دعم الجناح اليساري من الحزب الديمقراطي الذي أيد بيرني ساندرز. كان ساندرز يحث على فرض قيود على التجارة، ووقف نقل وظائف المصانع الأميركية إلى دول مثل الصين. يذكر أن بايدن وساندرز شكلا فريقاً مشتركاً لإعداد خطة اقتصادية لإدارة جديدة يرأسها بايدن. ويبدي هذا الفريق عدم رضاه عن السياسات الاقتصادية التي ينتهجها ترمب؛ لكنه غير راضٍ عن السياسات التجارية الصينية كذلك. ومن شأن الاضطرابات التي أصابت الأعمال التجارية بين شركات صينية وأميركية جراء تفشي الفيروس، إسراع وتيرة الجهود الأميركية لتنويع العلاقات التجارية، والحد من العلاقات التجارية الأميركية مع الصين.

ومع هذا، تختلف المنافسة بين الصين والولايات المتحدة عن الحرب الباردة بين الاتحاد السوفياتي والولايات المتحدة، ذلك أن التعاون التجاري بين بكين وواشنطن يعود بنفع كبير على بعض – وليس كل – الشركات والمزارعين؛ بل ومدارس داخل الولايات المتحدة. وتشير الأرقام إلى أن الصادرات الأميركية من السلع إلى الصين عام 2018 كانت 107 مليارات دولار. في المقابل؛ بلغت الصادرات الأميركية من السلع إلى الاتحاد السوفياتي مليار دولار فقط في عام 1990.

والمؤكد أن تنويع العلاقات التجارية مهمة ستتطلب سنوات كثيرة. تجدر الإشارة هنا إلى أن قليلاً للغاية من الأميركيين تسنت لهم زيارة الاتحاد السوفياتي، بينما سافر العام الماضي أكثر عن مليوني أميركي إلى الصين، وقدم 3 ملايين صيني لزيارة الولايات المتحدة.

شخصياً، أعيش في مدينة صغيرة، والملاحظ في مدرستنا الثانوية أن ربع طلابها صينيون يحملون تأشيرة دراسة. كما أنني أتولى التدريس في جامعة ييل التي تضم مئات الطلاب الصينيين. وسيواجه الطلاب الأميركيون والصينيون عالماً من التغييرات المناخية ومخاطر تهدد الصحة العامة، وانتشار أسلحة الدمار الشامل. ومع أن المنافسة بين بكين وواشنطن تبدو محتومة، يتعيَّن على قيادات البلدين كذلك التأكيد على ضرورة التعاون في مواجهة التحديات المشتركة. ويمكن لأصدقائنا في الشرق الأوسط أيضاً توقع التعرض لمزيد من الضغوط الأميركية في الفترة القادمة بخصوص علاقاتهم مع الصين.

___________________________________________________________________________________

*نشر في الشرق اﻷوسط الثلاثاء 19 أيار/مايو 2020، للقراءة في المصدر اضغط هنا

قد يعجبك ايضا