حوار العبد وسيده: أقدم نص في العبثية والنفاق

ياسر شوحان

جسر: ثقافة:

تعد القصائد القديمة المترجمة من اللغة الأكادية عماد الأدب الرافدي، وأبرزها ما يتعلق بمناجاة الإله، ومما وصل إلينا من هذا الأدب نص حواري بين طرفين: العبد ومولاه، وهو من النصوص التي قلما نجد مثيلا لها في الأدب الرافدي.

نصب حجري من عهد نبوخذ نصر اﻷول 1126-1103 ق.م/ويكيبيديا

يعود هذا النص إلى العام 1200 قبل الميلاد، أي أنه ظهر في الفترة التي تمثل قمة ازدهار اﻷدب الرافدي، حيث تأثرت هذه الفترة بقوانين حمورابي الشهيرة، بالإضافة إلى تأثرها بالأفكار السومرية والأكادية.

إن فحوى النص هو مراوغة العبد لسيده ونفاقه له، حيث يؤيد العبد ما يريده سيده ويرفض ما يعزف عنه، ويعكس النص مزايا النفس الإنسانية ومزاجها وحالة العبث واللامسؤولية، كما يطرح الفراغ الفكري لدى العبد ومزاجية السيد، إلى جانب الطموح والضياع الذي يعكسه أقدم نص يُظهر الجذور التشاؤمية، بالإضافة إلى أنه يُظهر استبداد السيد وتهوره وشخصية العبد المهتزة، وكل ذلك في سبيل إنقاذ العبد لنفسه من غضب مولاه.

تتألف الحوارية من أحد عشر مقطعا، تبدأ بمقاطع سهلة وبسيطة، ثم ما تلبث أن تأخذ أشكالا معقدة ومتشابكة في الوسط، لتنتهي بمجموعة من الأفكار العبثية والتناقضات الفلسفية، ومن الجميل أن هذه الحوارية تطرح مشكلات ذاك الزمان وحلولا لها، فنجدها تطرح الثورة والخنوع والحب والزواج والتجارة والمال والتقوى والهواجس والمشاعر والحياة والموت والتفاؤل والتشاؤم.

وفي ختام النص الذي قام بدراسته الدكتور فيصل العبدالله، ويعتبر من أكمل النصوص المدروسة، لا يجد السيد من خلاص إلا لقاء ربه حيث أودع  كل الإجابات التي تبدو مستحيلة على تفكيره، إذ لا بد أن يركع أمامه، فيقرر إرسال عبده إلى منيته لعل روحه تعود وتحمل إليه الأجوبة الشافية، ولكن العبد يسأل سيده، إذا قتلتني ماذا ستفعل بدوني؟ إنك لن تستطيع أن تعيش أكثر من ثلاثة أيام.

من النص الأصلي “حوار العبد وسيده”:

السيد: أيها العبد، اقترب مني!

العبد: نعم مولاي، نعم!

السيد: اذهب، أسرع، وجهّز لي العربة، كي أذهب إلى القصر.

العبد: اذهب مولاي، اذهب، سيكون لك فائدة! عندما سيراك الملك، سيغمرك كرما.

السيد: إيه أيها العبد، أنا لست ذاهبا إلى القصر!

العبد: لا تذهب مولاي، لا تذهب، فما أن يراك الملك حتى يرسلك حيث لا تريد، ويدفعك في طريق مجهولة، ويذيقك العذاب ليل نهار.

السيد: أيها العبد اقترب مني.

العبد: نعم مولاي، نعم!

السيد: أسرع، أحضر لي ماءً أغسل يدي وأتغدى.

العبد: تغدَّ مولاي، تغدَّ، فوجبة طيبة تشرح القلب، إن تأكل من رزق ربك وتغسل يديك فسيمضي نهارك..

السيد: كلا.. كلا.. أيها العبد لن أتغدى!

العبد: لا تتغدَّ مولاي.. لا تتغدَّ، أن تجوع حتى تأكل وأن تعطش حتى تشرب هذا ما يلزم الرجل.

السيد: يا عبد.. تعال بين يدي!

العبد: أجل مولاي أجل

السيد: اذهب.. جهّز لي عربة كي أذهب للصيد!

العبد: اذهب مولاي اذهب، فالرجل الذي يتجول في الأرياف جعبته مليئة، والكلب الذي يتصيد يحظى بعظام، والغراب الذي ينطلق في الأرياف يبني له عشا! والحمار الوحشي الذي يجوب المراعي يحظى بمرامه!

السيد: ولكن أيها العبد، لا أريد أن أذهب للصيد

العبد: لا تذهب مولاي لا تذهب. فالرجل الذي يجوب الأرياف يُتعب فكره والكلب الذي يتصيد يسحق أسنانه، والغراب الذي يطوف الأرياف مسكنه ليس إلا شق في جدار، والحمار الوحشي الذي يجوب المراعي لا مأوى له إلا البادية.

السيد: يا عبد، تعال بين يدي!

العبد: نعم مولاي نعم.

السيد: سأقوم بثورة

العبد: افعل هذا مولاي افعل، إذا لم تَثُر فكيف ستلبس ومن سيعطيك لتملأ جعبتك.

السيد: حسنٌ أيها العبد، ولكن لن أقوم بثورة!

العبد: لا تفعل مولاي، لا تفعل، فالرجل الذي يثور إما أن يُقتل أو يُسلخ جلده أو تُقتلع عيناه أو يعتقل ويلقى في السجن!

السيد: يا عبد أقدم.

العبد: أجل مولاي أجل.

السيد: أريد أن أعشق امرأة.

العبد: اعشق مولاي اعشق! فالرجل الذي يعشق امرأة، ينسى قلقه ويذهب وسواسه!

السيد: حسنٌ أيها العبد، لا أريد أن أعشق امرأة.

العبد: لا تعشق مولاي لا تعشق! فالمرأة كالبئر، نعم كالبئر، إنها خزان، إنها لحد قبر، إنها خنجر مشحوذ يقطع حنجرة الرجل.

إن هذا النص الرافدي في الواقع يطرح إجابات كثيرة حول تساؤلات لا زلنا نعيشها، وهذا الحوار وإن كان أسطوريا فلربما قدّم لنا كنه الخضوع الذي عاشه اﻹنسان ولا يزال، فالمشكلات الإنسانية المتعددة التي تم طرحها إنما توثق حالة من المعاناة الاجتماعية والسياسية، وتعيد لنا بشكل آخر ما يمر به الإنسان المعاصر من حالات متعددة من الخنوع، إذ أن هذه المعاناة استمرت مع الإنسان في العصور اللاحقة كاليونانية والرومانية أو العصور الإسلامية، لتكتمل صورة النفاق الاجتماعي مع جوانب للشخصيات المهتزة في أيامنا هذه، لا سيما خلال السنوات العشر الأخيرة التي نعيشها.

لقد تنوعت هذه النصوص والحواريات في حضارات مختلفة واتخذت أساليبا أخرى في الطرح مظهرة جوانب المعاناة الإنسانية لتقدم لنا صورة واقعية وكاملة عن الذل والعبودية.

قد يعجبك ايضا