اتفاقية لاهاي: تراث أي شعب تراث للإنسانية جمعاء

ياسر شوحان

جسر: ثقافة:

الدمار الذي لحق بقلعة حلب/انترنت

مما لا شك فيه أن الأعمال الإرهابية لا تحاول فقط تقويض المجتمعات والدول والبنية الديموغرافية، بل تسعى أيضا للقضاء على ما شيدته الأمم والحضارات، وليس من الغريب المطالبة بحماية التراث الثقافي ومكافحة سرقة الممتلكات الثقافية والاتجار بها في زمن يتعرض فيه البشر لأخطار شتى جرّاء الحروب والنزاعات المسلحة المشتعلة في المنطقة. وتشير القوانين الدولية إلى أن الممتلكات الثقافية لبلد ما ليست مجرد أحجار تُعرض في المتاحف، ولا سلعة يتم تداولها في الأسواق العالمية، إنما هي تجسيد لتاريخه وهوية شعبه وثقافته، وفقدانها بسبب السرقة والاتجار غير المشروع بها يمكن أن يؤدي إلى تفكك المجتمعات أو عدم قدرتها على التطور والتعافي بعد الحروب، إنها باختصار ذاكرتنا وجذورنا.

البراميل المتفجرة دمرت أسواق حلب القديمة/انترنت

لقد جرى إبرام اتفاقيات جنيف لإضفاء الطابع الإنساني على السلوك غير الإنساني أثناء سير العمليات العسكرية بين الأطراف المتنازعة، وتعزيز المبادئ الإنسانية الراسخة في ضمير ووجدان البشر. ولا تنشد حماية الممتلكات الثقافية هدفا مختلفاً عن ذلك أو أقل منه، فالممتلكات الثقافية تمثل جزءا لا يتجزأ من الوجود البشري ومن الإنسان، لذلك تعد حماية الممتلكات الثقافية أثناء النزاعات المسلحة حماية للبشر، وجزءا تكميليا لنظام الحماية الذي تأسست بموجبه اتفاقيات جنيف في منظومة القانون الدولي الإنساني. وجاء في ديباجة اتفاقية لاهاي لحماية الممتلكات الثقافية في حالة النزاع المسلح للعام 1954 أن “الأضرار التي تلحق بممتلكات ثقافية يملكها أي شعب كان تمس التراث الثقافي الذي تملكه الإنسانية جمعاء، فكل شعب يساهم بنصيبه في الثقافة العالمية”، كما بينت فقرات المادة الأولى المقصود بالممتلكات الثقافية المحمية بموجب الاتفاقية، فنصت الفقرة (أ) على حماية “الممتلكات المنقولة أو الثابتة ذات الأهمية الكبرى لتراث الشعوب الثقافي كالمباني المعمارية أو الفنية منها أو التاريخية، الديني منها أو الدنيوي، والأماكن الأثرية، ومجموعات المباني التي تكتسب بتجمعها قيمة تاريخية أو فنية، والتحف الفنية والمخطوطات والكتب والأشياء الأخرى ذات القيمة الفنية التاريخية والأثرية، وكذلك المجموعات العلمية ومجموعات الكتب الهامة و المحفوظات ومنسوخات الممتلكات السابق ذكرها”، وخُصصت الفقرة (ب) للمباني المخصصة لحماية وعرض الممتلكات الثقافية المنقولة المبينة في الفقرة (أ)؛ كالمتاحف ودور الكتب الكبرى ومخازن المحفوظات وكذلك المخابئ المعدة لوقاية هذه الممتلكات، وجاءت المادة (ج) لتشمل المراكز التي تحتوي مجموعة كبيرة من الممتلكات الثقافية المبينة في الفقرتين (أ) و(ب) والتي يطلق عليها اسم “مراكز الأبنية التذكارية”.

تمثال بوذا في باميان قبل وبعد نسفه في آذار/مارس 2001/ويكيبيديا

وإضافة إلى لصوص اﻵثار العاملين بشكل فردي، تتعرض هذه الاتفاقيات والمواثيق الدولية للانتهاك من قبل التجمعات والتنظيمات الخارجة على القانون أو المتطرفة كالتنظيمات الإرهابية، ويحدث كثيرا في العالم أجمع تعديات من قبل لصوص الآثار على المواقع التاريخية والأثرية، وقد يكون هذا التعدي من قبل الجماعات الخارجة على القانون والمواثيق واردا في النزاعات المسلحة، لكن ممارسته من قبل دولة هي خرق صارخ وضرب بالمعاهدات الدولية عرض الحائط وخروج عليها، وقد حدث مثل هذه التعديات كثيرا خلال التاريخ الحديث والمعاصر.

معبد بل في تدمر قبل وبعد تدميره

وإن كان هناك ذرائع واهية في عملية التعدي على المواقع الآثار؛ مثل تلك التي تقدمها بعض التنظيمات الراديكالية التي تتذرع بأن هذه الآثار هي عبارة عن تماثيل عائدة لفترات ما قبل الإسلام، وأنها كانت تُعبد من دون الله، وأنه من الواجب تحطيمها عملا بما أوصى به الدين الحنيف على حد قولهم، فإن هذه الآثار ليست إلا بقايا تاريخية وأثرية في زمن رسوخ الأديان الحالي، ومن الواجب الحفاظ عليها لتكون أمثولة تاريخية ومنعكس فكري. وقد شهدت السنوات الأخيرة تجاوزات من قبل دول الجوار على المناطق الأثرية السورية، وهو مما يتعارض مع المادة السادسة من بروتوكول لاهاي الثاني للعام 1999، الذي نص على أنه لا يجوز التذرع بالضرورة العسكرية القهرية للتخلي عن الالتزامات التي تقررها اتفاقية لاهاي لعام 1954 من أجل توجيه العمل العدائي ضد الممتلكات الثقافية.

قد يعجبك ايضا