الإستراتيجية الروسية لمحاصرة أوروبا الغربية والتأثير على سياسة تركيا

فراس فحام*

جسر: صحافة:

صورة نشرتها القيادة الأمريكية في 26 أيار/مايو 2020 لطائرة روسية من طراز29- Mig على الأراضي الليبية

صعدت الولايات المتحدة الأمريكية من نبرتها إزاء تنامي النفوذ الروسي في ليبيا، بعد أن سعت طيلة الفترة الماضية للحفاظ على التوازن بين أطراف الصراع وعدم الانحياز لأحدها على حساب الآخر، فقد اكتفت على مدار عام كامل بالمطالبة بوقف الهجوم على العاصمة طرابلس من قبل قوات “حفتر” ودفع التسوية السياسية إلى الأمام بإشراف الأمم المتحدة.

ففي السابع والعشرين من شهر أيار/مايو الماضي كشفت القيادة العسكرية الأمريكية في افريقيا (أفريكوم) عن نقل روسيا 14 طائرة حربية إلى ليبيا، بعد أن قامت بتمويهها في سوريا، وذلك بهدف دعم مرتزقة “فاغنر” التي تقاتل إلى جانب قوات اللواء “خليفة حفتر”.

الرد الأمريكي الأولي على هذه المعلومات تمثل في إجراء اتصالات بشكل مباشر مع وزارة الدفاع التونسية لنقاش مسألة نشر لواء أمريكي أمني على الأراضي التونسية بالقرب من الحدود الليبية، وذلك كخطوة من شأنها معادلة النفوذ الروسي المتنامي في شمال افريقيا المطل على أوروبا الغربية.

جرس إنذار

التصريحات الأمريكية يمكن اعتبارها بمثابة جرس إنذار يحذر من النفوذ الروسي الذي يستحكم مع مرور الزمن في ليبيا، حيث أن قاعدة الجفرة الإستراتيجية وسط البلاد باتت تستضيف طائرات حربية روسية، وقد يعمد الجيش الروسي مستقبلاً إلى نشر منظومات صواريخ بعيدة المدى فيها، بالإضافة إلى المساعي الروسية الحثيثة للحصول على امتياز وصول أسطولها البحري إلى ميناءي “طبرق” و “درنة” على الساحل الشرقي الليبي، ليشكلا مع قاعدة طرطوس السورية قواعد تحكم وسيطرة في الحوض الشرقي لبحر المتوسط.

تشكل كل من سوريا وليبيا نقطتي إرتكاز في الإستراتيجية الروسية القائمة على محاصرة أوروبا الغربية والتأثير بشكل أكبر على سياسات تركيا، ودفعها بالتدريج للابتعاد عن حلف شمال الأطلسي (الناتو)، ويبدو أن واشنطن ترجمت التحركات الروسية بشكل جيد فعملت على تقديم الدعم السياسي للتحركات التركية في ليبيا، حيث رحب السفير الأمريكي في ليبيا “ريتشارد نور لاند” خلال مؤتمر صحافي أجراه في الرابع من حزيران/يونيو بما وصفه بـ “الدور التركي الإيجابي في وضع حد لمرتزقة فاغنر والجنجويد” التي تصعد عسكرياً في طرابلس منذ شهر تشرين الأول/أكتوبر 2019.

منطقة عازلة

اعتادت دول أوروبا الغربية التي تعتبر القلب النابض للاتحاد الأوروبي على أن تكون دول أوروبا الشرقية منطقة عازلة بينها وبينا روسيا، خاصة بعد تسليمها للأمر الواقع عقب ضم روسيا لشبه جزيرة القرم في أوكرانيا، إلا أن موسكو زادت من ثقلها العسكري في سوريا ثم ليبيا المواجهة لدول غرب أوروبا لتضيق الخناق عليها أكثر فأكثر.

حاولت دول أوروبا الغربية وبالتحديد فرنسا – ألمانيا – إيطاليا الاعتماد على النفط الليبي ذات التكلفة المنخفضة في التكرير والإستيراد، من أجل تنويع مواردها وعدم وضع بيضها كله في روسيا، وقد أظهرت الاحصائيات عام 2016 استيراد أوروبا لما يقارب 70 في المئة من إجمالي احتياجاتها النفطية من روسيا، إلا أن موسكو يبدو أنها لن تتنازل عن إستراتيجيتها المتعلقة بالتحكم بأمن الطاقة الأوروبي، فالنفوذ الروسي في الموانئ النفطية الليبية، وما يتبعه من امتيازات واستثمارات في قطاع الطاقة سيتيح لموسكو استمرار التحكم في الطاقة المتدفقة إلى أوروبا. كذلك فإن وصول روسيا إلى احتياطات النفط الليبي عن طريق الشركات النفطية الروسية، سيساعد موسكو على الاستمرار في تنفيذ خطتها القائمة على زيادة تصدير النفط إلى الصين ليصل إلى 30 مليون طن سنوياً، مع الحفاظ على السيطرة على سوق النفط الأوروبية وتأمين احتياجاته.

الساحل الليبي يعتبر بوابة رئيسية لعبور المهاجرين غير الشرعيين إلى الشواطئ الأوروبية، وهذا يعني أن روسيا ستتمكن من خلال حضورها في ليبيا من التأثير في الأمن القومي الأوروبي، هذا سيؤدي في نهاية المطاف إلى بحث الدول الأوروبية عن تفاهمات مع روسيا.

وقد تتمكن روسيا من خلال تمركزها في ليبيا من تعزيز الانقسام داخل دول الاتحاد الأوروبي، فتدفع دولاً مثل إيطاليا واليونان وفرنسا إلى زيادة التنسيق والتعاون مع موسكو، رغبةً من تلك الدول بالحفاظ على أمن الطاقة والأمني القومي الأوروبي، وتعزيز موقفها في مواجهة تركيا بما يخص ترسيم الحدود البحرية في البحر الأبيض المتوسط والصراع على ثروات الحوض الشرقي، والسبب الأخير ينطبق بشكل أساسي على اليونان وفرنسا.

وتحمل التحركات الروسية في إدلب في طياتها سعياً لبسط النفوذ في منطقة مؤثرة بالأمن القومي الأوروبي لدفع الدول الأوروبية المؤثرة للتفاوض مع موسكو وتقديم تنازلات لها، لكن على الأرجح فإن تركيا تيقظت لهذه النقطة ولذلك كثفت من حضورها العسكري في إدلب منذ شهر شباط/فبراير من العام الحالي لضمان الإمساك بورقة إدلب، بالإضافة إلى ما تعنيه هذه المحافظة لأنقرة وأمنها القومي.

ومنذ التدخل العسكري الروسي المباشر في سوريا شهر أيلول/ سبتمبر عام 2015، وحتى وقتنا الحالي استطاعت روسيا أن تفرض نفسها كلاعب أساسي في الملف السوري، الأمر الذي دفع تركيا لفتح قنوات اتصال معها، بعد أن وصل التوتر بين الجانبين إلى حد إسقاط سلاح الجو التركي لطائرة روسية قرب الحدود مع سوريا في محافظة اللاذقية شهر تشرين الثاني/نوفمبر 2015.

ومع تعزيز روسيا من حضورها في سوريا اقتنعت تركيا أنه لا بديل بحكم الضرورة عن التنسيق بين الدولتين من أجل ضمان أنقرة لمصالحها الأمنية في سوريا، وقد نتج عن هذا التنسيق مسار أستانة، ثم تطورت العلاقات إلى عقد صفقة لشراء منظومة دفاع جوي S400 الروسية، الأمر الذي ساهم في زيادة الخلافات التركية – الأمريكية.

قواعد عسكرية

من غير المستبعد أن تحاول روسيا في المستقبل القريب نشر نفوذها في مناطق سورية تمس بشكل مباشر بالأمن القومي التركي، عن طريق التأسيس لقواعد عسكرية دائمة في منطقة كسب وبعض التلال الجبلية المطلة على الحدود التركية، وذلك سعياً من موسكو لزيادة التأثير في السياسات الخارجية التركية، وإرغامها على الاقتراب أكثر من السياسة الروسية والابتعاد عن سياسات حلف شمال الأطلسي.

وبطبيعة الحال فإن الإستراتيجية الروسية هذه من شأنها أن تحد من النفوذ والتأثير الأمريكي على أوروبا وتركيا، ولعل هذا ما يفسر النبرة الأمريكية المختلفة حيال ما يجري في ليبيا، والتلويح بنشر قوات في تونس قبالة السواحل الأوروبية.

إن هذه الإستراتيجية الروسية قد تدفع واشنطن أيضاً لمساندة تركيا أكثر ودعم دورها في سوريا لمنع روسيا من فرض شروطها والتحكم في قواعد اللعبة.

_____________________________________________________________________________________

*نشر في القدس العربي اﻻثنين 8 حزيران/يونيو 2020، للقراءة في المصدر اضغط هنا

قد يعجبك ايضا