حزب الله وشبح قانون قيصر

سعد كيوان*

جسر: صحافة:

من تشييع القيادي في حزب الله طارق ابراهيم حيدر قتل في السويداء 30 آب/أغسطس 2018، دمشق السيدة زينب/انترنت

المشهد تراجيكوميدي بامتياز. حكومة تجتمع ظهرا لتقر تعييناتٍ في مناصب إدارية ومالية شاغرة منذ أشهر، وبعضها أكثر من سنة، بعد كباشٍ طويلٍ بشأن الحصص وتوزيعها السياسي والطائفي. ومساء اليوم التالي، يلتهب الشارع بمتظاهرين في مختلف المناطق ضد الحكومة وغلاء الأسعار وتردّي الأوضاع المعيشية، وضد الارتفاع الجنوني في سعر صرف الدولار مقابل الليرة اللبنانية (من 1500 إلى 6000 ليرة للدولار الواحد). طبعا الحكومة لم تناقش هذه الأمور لأن تقاسم الحصص أهم، ولكن الأطرف من ذلك أن شريحة كبرى من الذين نزلوا إلى الشارع، وعبّروا عن غضبهم بالتكسير والحرق والاعتداء على الأملاك العامة في وسط بيروت، ينتمون إلى الأحزاب التي تمسك بالحكومة وبالسلطة، وتحديدا الثنائي الشيعي، حزب الله وحركة أمل. وقد بلغت درجة اللامسؤولية أنه تم تقديم موعد جلسة مجلس الوزراء 24 ساعة، لكي يتمكّن أحد الشركاء في الحكومة من أن يفرض تعيين مدير عام، قبل أن يبلغ سنا إذا تجاوزها لا يعود ممكنا تعيينه في ذلك المنصب. والمفارقة في الأمر أن هذا الرجل تم تعيينه من خارج ملاك الدولة في موقع مدير عام لوزارة الاقتصاد فيما هو مختص بالعلاج الفيزيائي! هذا يحصل فقط في لبنان.

وفي 6 يونيو/ حزيران الحالي، كانت مجموعات “ثورة أكتوبر” 2019 قد استعادت زخمها بالعودة إلى التظاهر في معظم المناطق، رافعة شعارات رحيل حكومة حسان دياب وتشكيل حكومة مستقلة، والدعوة إلى انتخابات نيابية مبكرة، فيما رفعت مجموعات أخرى شعار المطالبة بتطبيق قرارات الشرعية الدولية، وفي مقدمها قرار مجلس الأمن 1559 الذي صدر في سبتمبر/ أيلول 2004، وينص على نزع سلاح جميع المليشيات اللبنانية وغير اللبنانية، ومن ضمنها حزب الله، فما كان من الذين تظاهروا ضد الغلاء وضد ارتفاع الدولار، أي مناصري حزب الله وحركة أمل، إلا أن شنوا هجمات مضادة على مجموعات الثوار على وقع هتافٍ مفرطٍ في الشحن الطائفي والمذهبي “شيعة شيعة شيعة”، وكاد البلد أن ينزلق مجدّدا إلى خطر الحرب الأهلية، عندما توجهت هذه المجموعات، وبعضها مسلح، على درّاجات نارية، بشعاراتها المستفزّة، نحو ما كانت تعرف بخطوط التماس خلال سنوات الحرب (1975 – 1990) أي في مواجهة منطقة عين الرمانة، المسيحية المقابلة لمنطقة الشياح الشيعية، وأخرى توجهت إلى منطقة طريق الجديدة السنية، وثالثة من حي شيعي بامتياز، نزولا نحو الثوار الموجودين في ساحة الشهداء .. فحصلت الاستنفارات المضادّة، وكأن المراد كان تحريك الذاكرة بإعادة إحياء تلك الخطوط القديمة والبغيضة. 

مأزق حزب الله الآن أنه أمام استحقاق دخول قانون قيصر الأميركي الذي سيفرض عقوبات قاسية على النظام السوري

كيف يمكن لشبابٍ أن يتظاهروا من أجل لقمة العيش، ويجندوا في الوقت عينه وقودا للشحن الطائفي والمذهبي؟ هذا أيضا يحصل في لبنان! حقيقة ما يجري أن فريقا يمسك إمساكا كاملا بسلطة، وهذا الفريق هو حزب الله، لأن حساباته هي أخذ البلد رهينة أو درعا واقية لمصالح المحور الإيراني – السوري “الممانع” الذي ينتمي إليه. حكومة طيعة في يده استعملها ووظفها بما فيه الكفاية، إلى درجة أنها أصبحت ضعيفة، ولم تعد تفي بالمهمة المطلوبة. 

بدأت القصة في اليوم الثالث على انفجار ثورة 17 أكتوبر عندما وقف أمين عام حزب الله، حسن نصرالله، يهدّد ويتوعد، متهما الثوار بأنهم مأجورون عملاء سفارات، وبأنه لن يسمح لا باستقالة رئيس الجمهورية ولا باستقالة الحكومة. وقف نصرالله يومها مدافعا عن السلطة، واستطرادا عن النظام، محاولا إضفاء شيء من اللبننة على حزبه الإيراني العقيدة والولاء من خلال رفعه وراءه أول مرة علم لبنان. الوقوف بوجه الثورة قابلته عملية تماهٍ مع النظام اللبناني، وسعي إلى التمدد داخله والإمساك بمفاصله. استقال رئيس الحكومة سعد الحريري، على الرغم من ممانعة نصرالله، إلا أن ذلك جاء لصالحه ولصالح ما يخطط له. زخم الانتفاضة دفع “القوات اللبنانية” و”الحزب الاشتراكي”، حليفي تيار المستقبل يومها، إلى اتخاذ قرار عدم العودة إلى الحكومة، ما سهل على نصرالله مهمة الذهاب نحو حكومةٍ طيعةٍ بين يديه، إلى درجة أنه اضطر أكثر من مرة أن ينفي ما بات يعرف ويردده كثيرون بأنها حكومة حزب الله.

وقد أكدت هذه الحكومة خلال مسيرتها القصيرة أنها لا تحرّك ساكنا، ولا تقطع خيطا من دون موافقة نصرالله، وتحديدا في قضايا مفصلية مهمة، تتعلق بسياسة الدولة، مثل الأزمة المصرفية والنقدية، أو بما يخص علاقات لبنان الخارجية التي حاول حزب الله من خلالها توجيه رسائل إلى الولايات المتحدة، مثل غض النظر عن قضية إخراج العميل عامر فاخوري الذي يحمل الجنسية الأميركية من السجن، أو الموافقة على لجوء لبنان إلى صندوق النقد الدولي، فيما تركت المراكز والتعيينات والحصص للحلفاء. أي أنه أرسى معادلة السلطة مقابل الكراسي، مثلما أرسى من قبل معادلة السلاح مقابل الفساد.

بات لبنان مكشوفاً بالكامل أمام المجتمع الدولي، والثقة به مفقودة، والمفاوضات مع صندوق النقد الدولي تراوح مكانها

ضمن نصرالله إذاً السلطة بانكفاء شركائه في التسوية الثلاثية الشهيرة (نصرالله – عون – الحريري، أكتوبر/ تشرين الأول 2016)، بعد أن تقطعت أوصالها على وقع الثورة التي فرض عليها لاحقا وباء كورونا اللعين الانكفاء، مخلية الساحة لسلطة حزب الله الضامن في الأساس ولاء رئيس الجمهورية. غير أن هذه السلطة تستمد قوتها ونفوذها ووهجها وهيبتها وجبروتها أساسا من السلاح، ولا شيء غير السلاح، معطوفة عليه أيديولوجيا دينية ظلامية، تستند إلى نظرية السلطة الإلهية (ولاية الفقيه) في إيران التي أرعبت العرب، وغزت دولهم، وهي تقارع اليوم الولايات المتحدة. وهذه السلطة، المتحصّنة بالسلاح الذي يحميها ويفرض هيبتها، تحوّلت إلى وسيلة لإرهاب الآخرين، ممن يحيط بها أو يتعامل معها، ليصبح إما خائفا مرعوبا بكل معنى الكلمة أو انتهازيا وصوليا. والحالة الثانية تنطبق على معظم أركان الطبقة السياسية، وبالأخص السياسيين الموارنة اللاهثين وراء كرسي رئاسة الجمهورية، بعضهم يطبل لحزب الله، وآخر يمالئ أو يلتزم الصمت. 

الأهم والأخطر هو نجاح حزب الله في فرض حالة من الخوف الجماعي الذي بات يسكن في اللاوعي عند شرائح واسعة من اللبنانيين الذين يرفضون، بشكل فوري، تحميل أي مسؤولية لحزب الله وسلاحه، وحتى مجرد الكلام عنه. ما يحصل هو نوع من إسقاط ذهني تلقائي لا شعوري يعكس حالةً من الخوف والارتياب. وهذا يدفع كثيرين، بالتالي، إلى رفض ما يسميه بعضهم خلطا بين المطالب المعيشية والفساد ومسألة السلاح، أملا بتوسيع مشاركة شرائح شيعية في الثورة، ولكي لا تضيع المطالب..! وهكذا تصبح المطالبة بتطبيق الدستور واتفاق الطائف الذي نص على نزع سلاح جميع المليشيات، وكذلك القرارات الدولية المتعلقة بلبنان وسيادته وحماية حدوده مغامرةً واستفزازا وتحدّيا لحزب الله، لا بل عملا مأجورا تقف وراءه وتحرّكه أجهزة السلطة نفسها. ومنعا لأي التباس، راح السلاح يلعلع في شوارع بيروت، كما حصل ليلة السادس من يونيو/ حزيران الحالي. مع ذلك، ما زال بعضهم يتوهم إمكانية تحييد حزب الله وإرغام السلطة على تقديم تنازلات، ناسين أو متناسين أن السلطة هي عمليا بيد حزب الله، فهل ما زال هناك من إمكانية للفصل بين حزب الله والسلطة؟

بما أن حزب الله غير قادر على تغيير الحكومة، فهو يحاول توجيه سهامه نحو حاكم المصرف المركزي

مأزق حزب الله الآن أنه أمام استحقاق دخول قانون قيصر الأميركي الذي سيفرض عقوبات قاسية على النظام السوري حيز التطبيق الأربعاء المقبل (17/ 6). وسيتأثر لبنان بهذا القانون، وسيطاول بدون شك حزب الله بالتحديد، لأنه يقوم منذ سنوات بدور المسعف لحليفه بشار الأسد، بممارسة مختلف أنواع التهريب عبر الحدود اللبنانية السورية لكل ما يحتاجه من نفط ومحروقات وطحين ومواد غذائية أساسية. والأهم تزويده بكميات نقدية بمئات ملايين الدولارات التي يسحبها من الأسواق اللبنانية، ما ساهم في تعميق الأزمة المالية والنقدية. وأيضا في إسعاف نفسه عبر ممارسة التهريب وتكديس الدولارات التي لم تعد تؤمنها له إيران. لذلك، سيضع قانون قيصر الحدود والمعابر اللبنانية تحت الرقابة الشديدة والمحكمة. وبما أن حزب الله غير قادر على تغيير الحكومة، فهو يحاول توجيه سهامه نحو حاكم المصرف المركزي الذي يعرف أن إقالته تشكل تحدّيا مباشرا لواشنطن هو في غنى عنه اليوم، فهو يستعيض عن ذلك بمحاولة ابتزازه عبر تحميله مسؤولية الأزمة المالية لإجباره على تلبية مطلب ضخ ما تيسر من مئات ملايين الدولارات لتزويد النظام السوري قبل الأربعاء المقبل. 

بات لبنان مكشوفا بالكامل أمام المجتمع الدولي، والثقة به مفقودة، والمفاوضات مع صندوق النقد الدولي تراوح مكانها، والدول الصديقة والمانحة تقف متفرجةً على انهيار لبنان الذي يعتبرون أنه بات في قبضة حزب الله.

_____________________________________________________________________________________

* نشر في العربي الجديد اﻷحد 14 حزيران/يونيو 2020، للقراءة في المصدر اضغط هنا

قد يعجبك ايضا