قبضة روسيا على جيش النظام أضعف مما تبدو

تقرير: أنطوان ماردازوف* - ترجمة: بيان قايم أوغلو

اﻷسد وبوتين دمشق 7 كانون الثاني/يناير 2020

جسر: ترجمة:

جزء من منهجية الجيش الروسي في سعيه ﻹقامة أحزمة نفوذ في سوريا هو إنشاء ودعم وحدات الميليشيات الموالية. لكن على الرغم من الجهود المبذولة لتشكيل بنية مركزية للقوات المسلحة السورية؛ فإن روسيا تساهم فعليا في تفكيكها، فيما تحاول إيران من جانبها دمج الميليشيات في البنية العسكرية الدائمة للجيش السوري.

اﻷسد وبوتين، دمشق، 7 كانون الثاني/يناير 2020

وكانت وكالة أنباء الأناضول الرسمية التركية قد ذكرت من قبل أن الولايات المتحدة خرّبت خطط روسيا لتشكيل ميليشيا كردية عرقية في الحسكة، وأشار التقرير إلى أن الأمريكيين أقنعوا السكان المحليين برفض الانضمام إلى فصيل مؤيد لموسكو وحذروهم من أن “روسيا ستستخدم أعضاء هذا الفصيل كمرتزقة في ليبيا”.

وفيما رفض بعض الخبراء البارزين التقرير التركي، كانت هناك تكهنات بأن الإدارة الكردية ستنسق عملية التوظيف هذه مع الولايات المتحدة من أجل وقف اتساع النفوذ التركي، وبكل اﻷحوال فإن محاولة التجنيد من قبل الجيش الروسي أمر لا يمكن إنكاره.

يقال إن المرحلة الأولى من الاقتراح الروسي ستتطلب تدريب عدة مئات من الشباب، معظمهم من الأكراد، على أيدي مدربين من وحدات حماية الشعب الكردية تحت إشراف روسي، في وقت لاحق سيكون عليهم إما الانضمام إلى الوحدات التي تحرس المنشآت العسكرية الروسية في عامودا وتل تمر أو ترافق الدوريات العسكرية الروسية، وكان الهدف بعيد المدى لحملة التجنيد هذه هو توسيع النفوذ الروسي في شمال شرق سوريا وخلق سابقة لتماهي الجماعات الكردية؛ ليس مع قوات سوريا الديمقراطية-قسد التي يسيطر عليها الأكراد فقط، بل ومع الميليشيات الموالية لروسيا. ومع ذلك حتى الآن لم تسفر المحاولات التي بدأت في أواخر عام 2019 لإنشاء ميليشيات توفر الأمان للمنشآت العسكرية الروسية في شمال سوريا عن نتائج بعد. وهذا مجرد مثال واحد على كيف كانت التجربة الروسية في تجنيد السوريين وتشكيل أحزمة نفوذ ذات نتائج مختلطة.

ومنذ بداية تدخلها في سوريا، واجهت روسيا تحديا مزدوجا: كان عليها ترقية قوات النظام الممزقة؛ وفي الوقت نفسه، إدارة العديد من الميليشيات المحلية التي أنشأها الإيرانيون وحزب الله والتي كانت بمثابة جيش مواز بحكم الواقع.

أدت محاولات مركزة إدارة القوات في البداية إلى تشكيل “الفيلق الرابع اقتحام”؛ وهو ميليشيا محلية تنفذ عمليات حول الساحل السوري، كان من المفترض أن تحد من النفوذ الإيراني. ومع ذلك فشل الروس في إنشاء حزام نفوذ يعمل بشكل كامل حول قاعدة حميميم، حيث لا يزال أمنها موفرا بشكل رئيسي من خلال منطقة استبعاد خاضعة لإشراف جيد حول محيطها ونظام من نقاط التفتيش وحواجز الطرق الروسية، تلعب قوات جيش النظام دورا لا يذكر فيه، وفي الوقت نفسه يُشتبه في أن هذه القوات حاولت التستر على الهجمات على قاعدة حميميم التي يتكهن البعض أن الجماعات الموالية لإيران قامت بها.

علاوة على ذلك، فشل الجيش الروسي في إنشاء الفيلق الرابع من الفرقة الثانية والسادسة التي تم تشكيلها حديثا نتيجة عدم القدرة على فهم الحقائق المحلية بالكامل؛ فقد كانت معظم الميليشيات متخوفة من فقدان استقلاليتها، والامتثال للأفراد والقواعد التنظيمية لجيش النظام، مع منح المسلحين صفة الجنود الرسميين فيه.

تضمنت المرحلة التالية إنشاء “الفيلق الخامس اقتحام”، وهو تشكيل سوري بالكامل، ودمجه مع فرق شبه عسكرية مختلفة مثل “لواء صقور الصحراء”، وفي الوقت الحالي يواصل “الفيلق الخامس” التوسع، وفي روسيا يعتبر هذا الهيكل مثالا ناجحا لبناء قوة مسلحة مناسبة للقتال من الصفر، ونموذجا أوليا لـ”جيش سوري” جديد ومطور قادر على الاندماج مع كل من الجماعات الموالية للأسد ومقاتلي المعارضة السابقين بعد التسويات، كما حدث في الجنوب الغربي، وفي الوقت نفسه أصبح هذا التكامل ممكناً فقط بعد 2018 نتيجة لاتفاقيات بين روسيا والولايات المتحدة والأردن وإسرائيل مع مشاركة الإمارات العربية المتحدة سرا.

محاولات التجنيد التي قام بها الروس في منطقة السويداء، قبل عام من “المصالحة” بين النظام والمعارضة، قوبلت بعدم الثقة من قبل المجتمعات المحلية، على الرغم من أن الدعم المالي للمجندين كان كبيرا للغاية بالمعايير السورية.

علاوة على ذلك تبين أن الفيلق الرابع والخامس ولكونهما في الأساس ميليشيات، ليسا مخلصين لروسيا كما سبق وأن أشار فاتح حسون قائد “حركة تحرير الوطن” في مقابلته مع صحيفة “كوميرسانت” الروسية، وفي الواقع فإن الفيلق الرابع تسيطر عليه إيران، كما أن ميليشيا “حزب الله” شاركت في إنشاء الفيلق الخامس، وعملت على ما يبدو كوكيل للمصالح الإيرانية في الفيلق الرابع.

في أوائل عام 2019، لم تنجح محاولات إبعاد القوات الموالية لإيران؛ من ميليشيات “الدفاع الوطني” و”الفرقة الرابعة” التي يقودها ماهر اﻷسد شقيق رأس النظام، عن خط الجبهة في إدلب، وفي النهاية سمح لهذه التشكيلات ليس فقط بالاحتفاظ بمواقعها، بل وأن تصبح جزءا معترفا به بالكامل من منطقة الفصل إلى جانب ميليشيات شيعية أخرى.

خلقت جهود روسيا لضم العديد من المليشيات تحت لواء “الفيلق الخامس”، إلى التصور أن إيران تحاول تفتيت الجماعات المسلحة بواسطة ميليشياتها المتشددة، بينما تقوم روسيا على العكس من ذلك بتنظيمها وتوحيدها تحت مركز قيادة واحد. ولكن هذا التصور خاطئ.

حيث يبدو أن المستشارين العسكريين الروس أخذوا إخفاقات “الفيلق الرابع” في الاعتبار، واستخدموا نظام ترقيم غير قياسي لتسمية الكتائب والأفواج داخل “الفيلق الخامس”، وتجنبوا اﻹشارة إلى الطبيعة المنتظمة للجماعات وانتمائها إلى جيش النظام، يشار إلى أن تشكيلات مختلفة مثل لواء القدس الفلسطيني السني والمعروف باسم “لواء القدس”، وميليشيات أخرى تقاتل داعش، يتم تدريبهم من قبل المستشارين العسكريين الروس، من الجيش الروسي والشركات اﻷمنية الخاصة التابعة لموسكو، ويتصرفون تحت قيادة “الفيلق الخامس” دون أن يتم دمجهم رسميا فيه.

تظهر نظرة متعمقة على الجماعات المسلحة السورية أن روسيا كانت مهتمة في البداية بالتشكيلات التي لديها وضع إشكالي وضعف في التنظيم، وركزت عملها في الغالب عليها مع تجنب ضمها، ويشير هذا على وجه الخصوص إلى ألية شاملة خضعت لها جميع الميليشيات بما في ذلك “قوات النمر”، التي كانت عبارة عن هيكل استخباراتي؛ يقوده سهيل الحسن، وتسترشد به القوات الخاصة الروسية، والميليشيات القبلية التي يقودها شيوخ مثل تركي البو حمد، وسليمان الشواخ.

وفي الوقت نفسه كما أشارت “كيريل سيمينوف” من أسرة المونيتور، فإن إيران هي الفاعل الوحيد القادر على توحيد الميليشيات بفاعلية مع هياكل الجيش النظامي وخلق عقبات لمنع “فصل هياكلها الوكيلة عن الجيش الحكومي”.

في وقت لاحق ربما وفي مواجهة التأثير الإيراني، تحولت “قوات النمر” إلى “الفرقة 25 مهام خاصة”، وتم ضمها إلى جيش النظام، فيما بات يشار بوضوح إلى الميليشيات القبلية كقوات دفاع محلية موالية لإيران، والتي تتمتع بوضع استثنائي.

بالنظر إلى كل هذا ليس من المستغرب أن تُظهر التقارير الأخيرة أن الروس مهتمون بإنشاء ميليشيات موالية لهم شرق حلب كقوات دفاع محلية، وعلاوة على ذلك يقومون بتجنيد السكان المحليين في الغوطة الشرقية والقنيطرة من أجل إرسالهم للعمل في ليبيا كجنود لخليفة حفتر، يشير كل هذا إلى أنه سيكون من المبالغة القول إن تأثير موسكو على النظام العسكري والأمني ​​السوري قوي، وأن محاولات استبدال القادة الموالين لإيران بقادة مؤيدين لروسيا ناجحة بالفعل، بل ربما يمكن تفسير العديد من التحولات ببحث روسيا عن توزيع مناسب للنفوذ في سوريا بينها وبين إيران، وبمجرد إعادة خلط للأوراق الموجودة أصلا.

 

*نُشر في Al-Monitor اﻷربعاء 22 نيسان/أبريل 2020، للقراءة في المصدر اضغط هنا

قد يعجبك ايضا