الرقة ونظام الاستبداد

عبد الرحمن مطر
الحديث عن الرقة أو الكتابة عنها، لن يكون من مصدر التمايز، فالمدن السورية، بما لها من تاريخ ومكانة، جميعها متمايزة، تشكل الحالة السورية في الحضارة الإنسانية، والرقة واحدة من تلك المدن المنخرطة في الثورة السورية منذ فجرها الأول في ربيع 2011.
واليوم، بعد مرور اثنين وعشرين شهراً على انتفاضة الحرية والكرامة، لا يمكن الحديث عن الرقة بمعزل عن حلب ودير الزور، ودمشق الأموية، في السياق الوطني.
خرجت أول مظاهرة، في منتصف المدينة وأشد مراكزها حيوية، قريباً من المخابرات الجوية، مساء الخامس والعشرين من آذار عام 2011، هتفت فيها الحناجر للحرية، فكانت صاعقة للنظام الذي طاردها على الفور، لكن بعد فوات الأوان، فقد حدث التغيير الكبير، وانكسر حاجز الصمت والخوف دفعة واحدة، كنت على مسافة دقائق منها، ولم أدركها، لكن لحن الحرية سكن أفواه وقلوب الناس في تلك الليلة الفراتية الرائقة، لينطلق الحراك متدفقاً كالفرات، مطالباً بالحرية، من أماكن عدة، كلية التربية، المجمع الحكومي، حارة البياطرة، شارع ودوار تل أبيض، مساجد الفواز والشهداء والحني والفردوس، لتقوم أجهزة الأمن وقوى الجيش والشرطة بانتشار كثيف في مفارق المدينة وساحاتها، ناشرة القمع والاعتقال والقتل، وكان اعتصام أمهات وزوجات وأبناء المعتقلين قبالة قصر العدل، حدثاً دالاً برمزيته الكبرى .
سنوات القهر
ظلت الرقة تئن -بشكل متصاعد- من وطأة القهر الذي مارسته أجهزة الأمن بمختلف فروعها، وكان الخوف مشاعاً، وسطوة السجون والتعذيب والقتل، تتلمس آثارها وتشم رائحتها في كل مكان، وتتناقل الألسن حكاياتها بهمس مربك.
رغم ذلك، كان الحراك السياسي والاجتماعي المعارض للنظام ينمو، ويكبر ويتوسع، قوياً وفعالاً ومتواتراً في إطاره الوطني. وقد عرفت السجون والمعتقلات شخصيات هامة مثل الدكتور فايز الفواز، هيثم الخوجة، ياسين الحاج صالح، عبد الوهاب الغرسي، عبد الرزاق البيرم وأخوته، عبد الكريم ضويحي، محمد الجدوع ورفاقه، أمجد فخري، عبد الغفور الشعيب، وغيرهم المئات، فيما قادت الملاحقات الأمنية، الكثير من المثقفين الناشطين للاختفاء ومغادرة البلاد.
وكان اليسار السوري “شيوعيون، بعثيون، ناصريون” ولا يزال، المستهدف الرئيس -قبل الإسلاميين- لعمليات القهر والقمع و الإخضاع بكل الوسائل المتاحة للنظام، وكان ذلك جزءاً من الحراك المناهض لنظام الاستبداد في سورية، منذ عام 1963، مروراً بمحطاته الدموية المتتالية.
استطاعت أجهزة الأمن أن تزرع الخوف، لكنها لم تستطع إخماد جذوة الخروج على النظام الأمني- البعثي، وكلما تعمق الوعي بأهمية التمرد على الواقع، وتوهج السعي من أجل الحرية والديمقراطية، اشتدت شراسة الأمن في الاعتقال والترهيب، ورغم ذلك، صار التمرد واحداً من سمات الرقة، التي يراها البعض موالية للنظام بعماء. حين كان بشار الأسد يحيي مؤيديه في ساحة المحافظة -حيث نُصْبُ أباه رمز الاستبداد الحديث- كانت جموع الشباب في الأحياء المهمشة تهتف للحرية والثورة.
مناهضة البعث
لم تكن الرقة قلعة حصينة للنظام، ولن تكون. أتذكر في اليوم التالي لانقلاب 1970، خرجت المدينة مناهضة له، في مظاهرة احتجاج عارمة، كان النداء فيها عالياً ومدوياً “يا جعابي قول لمطرود .. حزب البعث ما عاد يعود” لم تلبث القبعات الحمر أن طوقتها بمساندة الشرطة، وفرقتها بأعقاب البنادق. تلك الصورة، لا تزال ماثلة في عينيّ، ومنذ ذلك اليوم، بدأ النظام على المستوى الوطني، سياسة الاضطهاد والإقصاء، فيما تربع جهاز الأمن العسكري، متفوقاً على أمن الدولة، على عرش القمع والتعذيب، حتى حظيت المخابرات الجوية، بهذه الريادة، كقوة رعبٍ إجراميةٍ، مع الانتفاضة.
وعندما قامت حلب في الرابع من شباط 1980، لم تتأخر الرقة عن مؤازرتها، فكانتا الصوت والصدى، وأعلنت الرقة تمردها بالإضراب العام بعد أيام قليلة في السابع أو الثامن من شباط.
شأن المدن والقرى السورية، لم تذعن المحافظة بغالبية مكوناتها الاجتماعية والسياسية ونخبتها الثقافية، لنظام الاستبداد، وظلت حركة المناهضة تتوالد وتتدفق. في كل مساء نفتقد من يعتقل، ومع كل صباح يتجدد فيه السعي لفضح ممارسات النظام، فساده واستبداده، على الرغم من سطوة الأمن ومخبريه من البعثيين، وغيرهم ممن حوّلوا حياة الناس إلى خوف عميم.
هذا الخوف ولدَ من رحمه أخيراً، انتفاضة بحجم التاريخ، زلزلت عرش الاستبداد الذي رزح على صدور السوريين خمسين عاماً.
الانعتاق
بين مدينتين مدميتين جريحتين “دير الزور وحلب” نالت ولا تزال نصيبها من الهجمات الإجرامية للنظام، مع احتضانها لأكثر من مليون نازح، وهو أمر طبيعي، تواصل الرقة مقارعتها له، وهي تتحرر تباعاً. كانت تل أبيض -ولا تزال- وردة الحرية، تلتها تباعاً الكرامة ومعدان، غير أن الثورة تظل متأججة في الطبقة، وسلوك وعين عيسى، داخل حارات المدينة، وفي أطرافها، في ظل معاناة شديدة، وعوز فاضح في كل شئ، الغذاء والدواء والوقود والغطاء واللباس.
ولا يزال النظام يمارس لعبته بإخلاء الساحة لعملائه، سالبي أمن الناس وأملاكهم، متاجرين بأرزاقهم وأقواتهم ودمائهم، في ظل فوضى عارمة يديرها النظام وزبانيته، وللأسف ثمة من يقوم بهذه الممارسات ممن يحسبون على الثورة، للنيل منها.
في أماكن أخرى بدأت حياة جديدة في المناطق المحررة، مجالس محلية، وتوجه نحو بناء مجتمع مدني ديمقراطي متعدد، وإعادة بناء البنية التحتية، نحو سورية المستقبل، تل أبيض، بلا مواربة، نموذجاً.

قد يعجبك ايضا