كيف ينقطع حزب الله عن سوريا؟

ساطع نورالدين*

جسر: رأي:

الاهازيج التي تطلق هذه الايام حول ضرورة نزع سلاح حزب الله، والتي تُسند الى قرارات مجلس الأمن الدولي الرقم 1559 والرقم 1701، ليست تحريفاً لخط ثورة 17 تشرين الاول اوكتوبر 2019، لكنها نكسة إضافية لذلك الخط الوهمي الذي لم يجد حتى اليوم ما يبلوره في برنامج سياسي يجمع الثوار ويقودهم على دروب التغيير المنشود.

المطلب حق، والنقاش حوله واجب وضروري، لكنه كان يفترض أن يطرح في نهاية مسيرة التغيير الظافر لا في بدايتها المتعثرة. أولوية “العبور” الى الدولة العصرية، القوية، لم تكن مفتعلة أو مخادعة عندما أثيرت في منتصف العقد الماضي، حيث كان معارضو ذلك السلاح أقوى وأكثر شعبية مما هم عليه الآن، برغم حملة الاغتيالات والتصفيات الواسعة، وبرغم عملية 7 أيار العام 2008 المشؤومة، التي إستهدفتهم.

صحيح أن تلك الحملات أدت الى غلبة حزب الله وتفكك عرى التحالف المناهض له، لكن الامور تغيرت أخيراً، بما يسمح بالحديث عما يشبه التوازن، أو حتى المناصفة بين الفريقين، لا سيما بعدما غرق الحزب في حرب الاستنزاف السورية المستمرة بلا أفق وبلا أي مكسب محتمل، ثم وقع في أزمة مالية خانقة أفقدته الكثير من عناصر قوته،ترافقت مع حملة إسرائيلية مكثفة باتت تغطي عمق الضاحية الجنوبية لبيروت، مثلما تصيب مراكز الحزب ومواقع حلفائه الايرانيين، وتفرض عليهم عمليات إعادة إنتشار متلاحقة.

لكن علامات الضعف لم تصبح ظاهرة بما يكفي لتغيير خطاب الحزب ولا لغته، ولا طبعا جدول أعماله. الحاصل الآن هو العكس تماما، بمعنى المكابرة والمبالغة في الحديث عن إنتصارات حلف المقاومة وبالتالي عن هزائم المحور المقابل.. فضلا عن التحدي الشديد لكل ما يطرح من برامج تغيير داخلية تحتوي غضب الجمهور اللبناني وتستجيب لبعض مطالبه، والتمسك برموز وأدوات المرحلة الراهنة التي إستهلكتها ثورة 17 تشرين بإعتبارها خط الدفاع الأوحد عن المقاومة.

إنتفاضة الدولار”التي شهدها البلد في الاسبوعين الماضيين، كانت فاضحة للجميع من دون إستثناء. الدولة بدت مفرغة، مكبلة، عاجزة. والشارع ظهر فارغاً، إلا من بعض طلائعه المتحمسة، ولم يحشد مئات الالاف التي سبق أن إستقطبها في الخريف الماضي، بمطالب أقل أهمية من المطالب الراهنة. وحزب الله كان مضطرباً، حائراً في التعامل مع حراك سبق أن إتهمه صراحة بالعمالة لإسرائيل، بين أن يقمعه بطريقته التقليدية، وبين أن يحاول توجيهه نحو مصرف لبنان والمصارف الخاصة.. ويستثني الصرافين الذين له حصة في مضارباتهم بالدولار وفي مد النظام السوري بكميات وافرة منه. 

بدلا من إستحضار القرارين 1559 و1701، اللذين يعطلان مشاركة الشيعة في “إنتفاضة الدولار”، كان، ولا يزال، يمكن للإنتفاضة أن ترفع عالياً مطلب فك الارتباط اللبناني مع الازمة السورية التي تدخل اليوم في مرحلة بالغة الدقة والحساسية. وهو ما لا يقتصر فقط على دعوة حزب الله الى الخروج من سوريا، بل يشمل أساساً إقفال الحدود مع سوريا بما يمنع عمليات تهريب الدولار والمواد الغذائية والمشتقات النفطية التي يفتقر اليها لبنان أصلاً.

إقفال الحدود مع سوريا، التي يعتبرها حزب الله (مخطئاً) عمقه الاستراتيجي، هو مطلب شعبي ترفعه اليوم شريحة واسعة من الشعب اللبناني من مختلف طوائفه، وبينهم بعض الشيعة، قبل ان يكون مطلباً دولياً أو تنفيذاً لقانون قيصر الاميركي او بقية قوانين الحصار على إيران. تحقيقه سهل جداً، ويمكن ان يحرج حزب الله ويعرقل دوره السوري المتعارض مع المصالح الوطنية اللبنانية.. أكثر بكثير من طلب تنفيذ القرارين 1559 و1701، الذي يمكن ان يدفع الحزب الى سلوك إنتحاري، يقلب المعادلة الداخلية، ويجيء برئيس للجمهورية وللحكومة أسوأ من اللذين وقع إختياره عليهما في غفلة من الزمن.

أنظار العالم كله تتجه الى سوريا اليوم، وتترقب التغيير الذي ستشهده في الاشهر ال12 المقبلة، أو ربما في فترة أقصر، نتيجة إنهيار العملة السورية، وتفاقم الازمة الاقتصادية والمعيشية، وتاليا السياسية التي يتخبط فيها نظام الرئيس بشار الاسد. المطلوب ببساطة أن تُفتح الأنظار والأذهان اللبنانية الآن على ما يجري في دمشق.. وفي الضاحية الجنوبية لبيروت. 

_____________________________________________________________________________________

* نشر في المدن اﻷحد 14 حزيران/يونيو 2020، للقراءة في المصدر اضغط هنا

قد يعجبك ايضا