مخدرات سورية… تهريب إلى ليبيا عبر “شبكة الطير”

جسر – صحافة

يكشف استقصاء “العربي الجديد” عن شبكة لتهريب المخدرات بين موانئ سورية وليبيا، على رأسها مدان حاصل على جنسية الدولتين، ويعمل في المنطقة الشرقية بدعم من متنفذين مقربين من خليفة حفتر مستفيداً من الفوضى والفراغ الأمني.

يرصد الدكتور ساسي موسى، الأخصائي في معالجة الإدمان أثناء عمله في وحدة الدعم النفسي والاجتماعي بالمركز الوطني لمكافحة الأمراض في العاصمة الليبية، تفاقما لأعداد المدمنين على مواد مخدرة تنتشر شرقا وغربا في البلاد المنقسمة أمنيا، مثل الحشيش والأدوية المخدرة كالأمفيتامين (يزيد من النشاط واليقظة)، وهو ما يؤكده شاهد عيان من مدينة بنغازي التي تسيطر عليها قوات اللواء المتقاعد خليفة حفتر، طالبا عدم الكشف عن هويته خوفا على حياته، مؤكدا أن المخدرات تباع بشكل طبيعي داخل أكشاك السجائر في المدينة، وخاصة في منطقة بوهديمة، وتابع: “أي شخص، على سبيل المثال، يمكنه شراء حبة ترامادول، بخمسة دنانير ليبية ( 1.12 دولار أميركي)”.

وبلغت كمية مخدر الحشيش التي ضبطتها السلطات الليبية 71.95 طنا خلال الفترة من 16 يوليو/تموز2017 وحتى 22 ديسمبر/كانون الأول 2020، بقيمة سوقية تقدر بمليار و79 مليون دينار ليبي (238 مليون دولار أميركي)، وفق بيانات حصلت عليها “العربي الجديد”، عبر ضبطيات مصلحة الجمارك لشحنات صودرت في الموانئ الليبية.

وتمثل الكميات المضبوطة من الحشيش 30% من إجمالي ما جرى تهريبه بالفعل، وفق تقديرات محمد الفيتوري، مستشار مدير إدارة مكافحة المخدرات في وزارة الداخلية بحكومة الوحدة الوطنية، والذي تابع: “ما يقارب 227 طنا سُربت إلى ليبيا خلال عامين فقط”.

وتهرب المخدرات إلى ليبيا بشكل أساسي عبر شبكات عابرة للدول، إحداها تتبعتها “العربي الجديد”، وتعمل انطلاقا من سورية عبر مدانٍ في قضية مخدرات يحمل الجنسيتين السورية والليبية، ويكشف التحقيق كيف استفادت الشبكة من الفوضى الأمنية والانقسام لتهريب المخدرات من ميناء اللاذقية الخاضع لسيطرة النظام السوري وحتى ميناءي طبرق وبنغازي، شمال شرقي ليبيا، الخاضعين لمليشيات حفتر، والخمس وزوارة، غربا، الخاضعين لحكومة طرابلس.

شبكة الطير
تكشف أوراق القضية رقم 3 لسنة 2019 (286 لسنة 2019 كلي)، والتي حصلت عليها “العربي الجديد” من سجلات النيابة العامة بعدما أحيلت إلى محكمة جنايات بنغازي، عن تورط 7 أفراد، من بينهم 4 سوريين و3 ليبيين، بتهريب المخدرات من سورية إلى الموانئ الليبية، ومنهم السوريان محمد محمود سعد وهاشم عادل عجان، وقضت المحكمة عليهما بالإعدام رميا بالرصاص حضوريا، في حين أن السوريين محمود عبد الإله الدج ومحمد هاني عبدين حُكم عليهما بالإعدام غيابيا، بعد إدانتهم بجلب مخدر الحشيش من سورية إلى الأراضي الليبية، بينما تمت تبرئة الليبيين لعدم توفر دليل.

وحصلت “العربي الجديد” على صورة من جواز سفر محمود الدجّ، المدان الرئيسي في القضية والذي يمتلك شركة الطير وعمل مديرا لها، ويحمل إلى جانب الجواز السوري جوازاً آخر صادراً من مدينة مصراتة في 19 ديسمبر/كانون الأول 2016 برقم HGG34F12، وهو ما يؤكده الدج لـ”العربي الجديد” قائلا إنه ولد في سورية وعاش فترة طويلة في ليبيا قبل 2011 مع عائلته، وحصل على كتيب عائلة ليبي ورقم وطني مسجل له ولعائلته من مصلحة الأحوال المدنية في سوق الجمعة بطرابلس.

وتورطت شركة الطير للتجارة والشحن الدولي، ومقرها اللاذقية، في تهريب المخدرات، إذ ضُبطت حاويات تحتوي مخدرات تابعة لها على مدار عامين. وما قاد إلى كشف عمليات التهريب، التي كانت شبكة الطير تقف خلفها، ضبط السلطات اليونانية المخدرات على متن سفينة نوكا “Noka” في المياه الإقليمية في 5 ديسمبر/كانون الأول 2018، أثناء توجهها إلى ميناء بنغازي، وكانت شركة الطير إحدى الجهات التي تشحن عليها، لذلك أبلغت السلطات اليونانية نظيرتها الليبية التي داهمت مقر شركة الطير في منطقة بوعطني ببنغازي، وألقت القبض على المتورطين، وصادرت كميات من مادة الحشيش والحبوب المخدرة، حسب ما أعلنت عنه مديرية جمارك بنغازي في 23 أغسطس/آب عام 2019.

وتطور عمل الدج، إذ صار وكيلا لشركة أجنحة الشام للطيران، الخاضعة للعقوبات الأميركية لتعاونها مع الحكومة السورية في نقل المرتزقة والأسلحة والمعدات، في ظل دعم مسؤولين مقربين من اللواء المتقاعد خليفة حفتر لأعماله المنتشرة في المنطقة الشرقية الخاضعة له.

ويظهر على صفحة شركة الطير على فيسبوك، “لوغو” الشركة وصورة السفينة SPARTA II، وهي سفينة مملوكة لشركة OBORONLOGISTICS LLC التي تعمل لصالح وزارة الدفاع الروسية، وتقوم برحلات دورية من ميناء نوفوروسيسك الروسي إلى ميناء طرطوس بسورية، وتحمل شحنات عسكرية، وقد عاقبت الولايات المتحدة هذه الشركة عام 2014 بسبب عملها في شبه جزيرة القرم.

عبد الفتاح الدجّ، الشقيق الأصغر لمحمود الدجّ

ويظهر في الصور الملتقطة في مكتب شركة الطير، والمنشورة عبر الصفحة، عبد الفتاح الدج، وهو أخ محمود الأصغر، من مواليد مصراتة بحسب بيانات الرقم الوطني، ويظهر عبد الفتاح في صورة أخرى بزي عسكري أمام سيارة لوحتها دمشق، وفي صورة أخرى يظهر في سيارة سورية للشرطة العسكرية. وفق رصد معدَي التحقيق.

فراغ أمني
تصنف ليبيا أنها محطة عبور وتخزين مهمة إقليميا للمخدرات القادمة من سورية والمغرب ولبنان، ويتم استهلاك بعضها محليا، ثم يعاد تهريب كميات كبيرة منها إلى مصر وجنوب إيطاليا ودول البلقان مثل ألبانيا والجبل الأسود، ودول الساحل، وفقا لما جاء في تقرير “الرمال المتحركة – تغير ديناميكية الاتجار بالمخدرات في الساحل الليبي وحدود الصحراء” الصادر عام 2019، للباحث مارك ميكاليف، من منظمة المبادرة العالمية ضد الجريمة المنظمة.

ويؤكد الفيتوري أن الموانئ الأربعة، طبرق وبنغازي والخمس وزوارة، أكبر منافذ تهريب المخدرات في ليبيا، إذ لا توجد سيطرة حقيقية لأجهزة الدولة عليها. وتواصل “العربي الجديد” مع العقيد عبدالوهاب قويدر، رئيس قسم مكافحة التهريب والمخدرات في طبرق لسؤاله حول عمليات التهريب، لكنه رفض الإدلاء بأي معلومات.

وبسبب الانقسام ما بين الشرق والغرب، لا تتوفر لدى إدارة مكافحة المخدرات في الغرب أي معلومات بخصوص الحشيش والكبتاغون وعلاقة السلطات السورية بعمليات تهريبه، كما يقول الفيتوري، مشيرا إلى ضعف التواصل مع فرع المنطقة الشرقية. وهو ما يستغله نظام بشار الأسد للتمدد وتمويل أنشطته عن طريق تهريب المخدرات من الأراضي السورية إلى العديد من البلدان، بما في ذلك موانئ المنطقة الشرقية، وفق ما كشفه فتحي باشا آغا، وزير الداخلية الليبي السابق، في تغريدات نشرها على حسابه في تويتر في مايو/أيار 2020، متهما هيئة الاستثمار العسكري التابعة لمليشيات حفتر بالاعتماد على فتح طرق للشحن البحري والجوي، لإنشاء اقتصاد قائم على السوق السوداء مع نظام الأسد الخاضع للعقوبات. حتى وصل الأمر إلى أن يفتتح النظام السوري السفارة الليبية في دمشق في مارس/آذار من العام الماضي، ويسلمها لحفتر.

ويرى عبد الحكيم البليعزي، الناطق السابق باسم لجنة مكافحة الجريمة، والذي عاصر فترة طويلة من عمل اللجنة التي قامت بضبط مختلف أنواع المخدرات، أنه “مع هذه الأرباح الطائلة من تجارة المخدرات، إضافة إلى الفساد والرشوة المنتشرين بين مسؤولي النظامين، ومع تقلص مصادر الإيرادات الحكومية، يصبح تهريب المخدرات عبر موانئ النظام السوري أمرا منطقيا”.

الأطراف الفاعلة
سهّل متنفذون تابعون لحفتر والنظام البائد عمل شركة الطير السورية في ليبيا، وعلى رأسهم فوزية الفرجاني، مستشارة الفريق عبد الرزاق الناظوري، رئيس الأركان العامة لمليشيات حفتر، ورئيسة مجلس أصحاب الأعمال الليبيين فرع بنغازي، والتي شغلت منصب مستشارة الحاكم العسكري للشؤون الاقتصادية والتعاون الدولي، وكان لها دور كبير في تصميم العلاقة بين حفتر والأسد، إذ افتتحت في 22 مارس 2018 الخط البحري المباشر بين ميناءي بنغازي واللاذقية، وهو ما وثقه معدا التحقيق عبر صفحة المجلس على “فيسبوك”، والتي نشرت خبرا عن الحدث وشكرت أعضاء الوفد السوري، بمن فيهم المدير العام لشركة الطير محمود عبد الإله الدج، الذي ظهرت صورته مع وصول أول سفينة شحن إلى ميناء بنغازي في 28 مارس 2018، والتي تسمى ZAHER، ومنعت الفرجاني تفتيشها وأُعلن أنها كانت محملة بمنتجات سورية موردة إلى بنغازي، وسعى معدّ التحقيق من ليبيا، إلى مواجهة الفرجاني بما وثقه والحصول على ردها لكنها لم تستجب لرسائله.

ورفعت السفينة زاهر علم مصر بحسب ما رصدت “العربي الجديد” عبر منصة تتبع حركة السفن “مارين ترافيك”. وظهر على متن سفينة Zaher أيضا ابن عم محمود الدج، وهو عبد السلام الدج الذي يقيم في ليبيا ويمتلك شركة “المختار للشحن الدولي”، ومقرها الرئيسي بنغازي، ولديها فروع في دمشق وحلب وإسطنبول ومصراتة، وكان عبد السلام يرافق محمود في غالبية زياراته ونشاطاته، وأعلن عبر صفحته على فيسبوك، يوم 6 إبريل/نيسان 2021، عن وصول السفينة MANASSA FLOWER M إلى ميناء بنغازي، وتحمل علم جزر القمر، إذ انطلقت من ميناء اللاذقية في الأول من إبريل/نيسان الماضي، وهي آخر رحلاتها وفقا لموقع “مارين ترافيك”.

وتكشف قاعدة بيانات فريق الخبراء المعني بليبيا في الأمم المتحدة، والمنشأ بقرار من مجلس الأمن، أن السفينة تم بيعها في فبراير/شباط 2021 لشخص مجهول، وتم تغيير اسمها، وفق إفادة أحد أعضاء الفريق، والذي تحفظ على ذكر اسمه.

مدير شبكة الطير محمود الدجّ وابن عمه عبدالسلام الدجّ

وأسهمت الفرجاني في تعزيز العلاقات الاقتصادية بين نظام الأسد والمنطقة الشرقية الخاضعة لسيطرة حفتر، عبر تنظيم معرض صنع في سورية بالتعاون مع شركة الطير، بمدينة بنغازي في 20 مايو/أيار 2018، وكانت الفرجاني في استقبال الوفد السوري الذي ضم محمود الدج، كما تُظهر الصور التي نشرتها صفحة المجلس. وكانت وزارة الاقتصاد السورية وغرفة صناعة دمشق وريفها واتحاد المصدرين السوريين ومجلس رجال الأعمال الليبيين في بنغازي رعاة وممولين للمعرض، وتولت شركة الطير نقل بضائع التجار المشاركين جميعهم إلى بنغازي، وفق توضيح محمود الدجّ.

فوزية الفرجاني برفقة رجال أعمال سوريين وليبيين في معرض صنع في سورية

ومن خلال هذا المعرض، استطاع الدجّ استقطاب التجار الليبين للمشاركة فيه بدمشق، كما تبين دعوة حصل عليها “العربي الجديد” وجهتها شركة الطير إلى زبائنها التجار في ليبيا، لحضور المعرض السوري مع تذكرة وإقامة مجانية لمدة أربعة أيام في دمشق في فبراير/شباط 2019، تحت رعاية الرئيس السوري بشار الأسد.

كشف الدج، خلال حديثه لمعدَي التحقيق، أن هناك وكيلا آخر لشركة أجنحة الشام في ليبيا، وأن شركة الطير ليست الوكيل الحصري لها، وهي ياسمينة سليم العروشي المجبري، والتي وثق معدا التحقيق أن أصولها من مدينة أجدابيا، وكانت ناشطة في اللجان الثورية التابعة لنظام القذافي، وشغلت منصب أمين العدل في عهد النظام البائد بأجدابيا، في المنطقة الشرقية، وسافرت بعد الثورة إلى سورية.

اللافت أن المجبري تكفلت بالتواصل مع مكتب المحاماة لتقديم الطعن في الحكم بإدانة المحبوسين السوريين هاشم عجان ومحمد محمود سعد. وعبر مهاتفة مع مكتب المحامي، الذي طلب عدم ذكر اسمه، أكد أن المجبري تواصلت معهم، وبالفعل قدم المكتب الطعن ووصل إلى المحكمة العليا بطرابلس في فبراير/شباط 2021.

أما الدجّ، فلا يستطيع أي محام حسب القانون الليبي تقديم طعن في الحكم الصادر بحقه، لأنه محكوم غيابيا، خلافا لما ادعاه الدج في رده على “العربي الجديد” بأن محاميه قدم الطعن وأنه سيحصل على البراءة الحتمية، لكن المحامي يعلق على ما سبق قائلا :”عليه أن يسلم نفسه للسلطات الليبية لإعادة محاكمته وحتى يمكنه أن يستفيد من الطعن”.

طريقة إخفاء المخدرات
اتبعت شبكة تهريب المخدرات، نمطاً متشابهاً، لإدخال الحشيش والكبتاغون عبر الموانئ الليبية، من خلال إخفائها في منظفات أو مواد بناء، وكذلك في جدران وأرضيات الحاويات، كما ثبت من خلال تتبع معدَي التحقيق بيانات 9 ضبطيات تمت على متن سفن رست في الموانئ الليبية حتى 22 ديسمبر 2020، بالإضافة إلى 8 سفن أخرى صادرت حمولتها من المخدرات سلطات دول حوض البحر الأبيض المتوسط، وكان مصدرها ميناء اللاذقية السوري، ما بين 20 سبتمبر/أيلول 2018 وحتى 5 يناير/كانون الثاني 2021.

ومن بين تلك الضبطيات 6 أطنان من الحشيش و3.1 ملايين قرص من الكبتاغون التي ضُبطت على متن سفينة نوكا Noka، وكانت مخبأة في منظف زجاج اسمه الميدالية الذهبية، وكذلك في جدران وأرضيات الحاويات. ووجد معدا التحقيق أن ملكية الشركة العالمية للكيماويات التي تصنع منظف زجاج من نوع الميدالية الذهبية تعود لعائلتي المفتي ودعبول، ويديرها محمود المفتي وسليم دعبول، وهو أحد رجال الأعمال السوريين المقربين من نظام الأسد وأسس مشاريع تصب في خدمته، بحسب تقرير بعنوان “شبكة رجال الأعمال لتمويل النظام السوري والتحايل على العقوبات”، الصادر عن منظمة “مع العدالة” عام 2020.

وكانت سفينة نوكا ترفع العلم السوري لدى ضبطها، وبحسب بيانات منصة “مارين ترافيك”، فإن السفينة تصنف باعتبارها تعمل في الشحن العام ومملوكة لشركة “نبتنوس” ومقرها اللاذقية، تأسست عام 2016، وتعرّف نفسها على موقعها الإلكتروني بأنها مورد رائد للخدمات البحرية والشحن، وجرى تغيير اسم السفينة حاليا إلى “أولا” Ola، وتبحر تحت علم سانت كيتس ونيفيس (دولة من جزر الهند الغربية). وأسهم ضبط المخدرات على متنها في حل لغز تهريب المخدرات الذي تقف وراءه شركة الطير، وفق ما تؤكده أوراق القضية.

اللافت أنه تم إخفاء المخدرات بالطريقة ذاتها في السفن التي أعلنت مصلحة الجمارك العامة عن ضبطها، ومنها السفينة التي ضُبطت في 15 أغسطس/آب 2018، حيث أخفيت 6 أطنان و300 كيلوغرام من الحشيش داخل ألواح مخبأة في شحنة سيراميك تخص شركة البياض لاستيراد مواد البناء والطلاء، وفق الإقرار الجمركي، محملة على متن سفينة “MSC Sheila” التي انطلقت من ميناء بورسعيد ورست في ميناء الخمس غربي ليبيا في 8 أغسطس 2018، بحسب رسالة الإقرار الجمركي الصادرة من مصلحة الجمارك، وهي سفينة شحن عامة بنيت بواسطة شركة شيبارد في تركيا، وتملكها الآن شركة البحر الأبيض المتوسط للملاحة، بحسب بيانات منصة “مارين ترافيك” التي تظهر أن السفينة ذاتها رست في 16 مارس 2018 في ميناء بنغازي، وكانت حمولتها لشركة الإسطرلاب للتوكيلات الملاحية. وصادرت مصلحة الجمارك 3 حاويات فيها 14 طنا من الحشيش معبأة في براميل معجون جدران (دهانات) في 30 أغسطس/آب 2018، كتب عليها “الأميرة” وهي عائدة لشركة البياض ذاتها وكانت قادمة من سورية.

وكشف مصدر في مصلحة الجمارك بطرابلس طلب عدم الإفصاح عن اسمه، للموافقة على الحديث، أن شركة البياض وشركة أخرى متورطة في تهريب المخدرات تحمل اسم الانطلاقة الحديثة للمقاولات، وهميتان.

وتم ضبط 4.5 أطنان من الحشيش تخص الشركة الوهمية المسماة بـ “الانطلاقة الحديثة للمقاولات” على متن سفينة قادمة من سورية في 3 سبتمبر/أيلول عام 2018، وكان وصف البضاعة حسب الإقرار الجمركي هو مواد بناء، بحسب ما كشفته رسالة حصل عليها “العربي الجديد” من العميد طارق الفقي، المدير السابق لمصلحة الجمارك، بتاريخ 6 سبتمبر/أيلول 2018، موجهة إلى النائب العام حاليا الصديق الصور، وكان حينها رئيس مكتب التحقيقات بمكتب النائب العام في طرابلس، وكشفت الرسالة أيضا أن مصلحة الجمارك في طرابلس وضعت يدها على 13 طنا من مخدر الحشيش في شحنة تخص شركة صحاري ليبيا للتوكيلات الملاحية الموجودة في طرابلس، في الأول من الشهر ذاته.

علاقات وثيقة بين شرق ليبيا ونظام الأسد
رغم الحكم بالإعدام على الدج، لم يصدر بحقه أي أمر قبض دولي، ولم تعمم السلطات الليبية اسمه واسم شركته على المنافذ البحرية والبرية والجوية كي تمنع التعامل معه، ولا تزال شركة الطير للشحن البحري تسير رحلاتها إلى ليبيا، كما منحت الهيئة العامة للطيران المدني في سورية شركات الطيران الليبية إذنا باستئناف الرحلات الجوية من بنغازي إلى دمشق، على أن تتكفل شركة الطير بخط الطيران المباشر. بحسب ما أعلنته فوزية الفرجاني في 20 مايو 2020 عبر صفحة مجلس أصحاب الأعمال الليبيين.

عقب هذا القرار، أعلنت شركة أجنحة الشام في فبراير/شباط 2020، عن طريق صفحتها الرسمية على فيسبوك، بأنها بدأت الحجز لرحلات ليبيا عبر وكيلها الحصري، وهو شركة الطير، ما يؤكد العلاقات الاقتصادية بين شركتي الطير وأجنحة الشام المدرجة على قوائم العقوبات الأميركية منذ ديسمبر/كانون الأول 2016، بسبب تعاونها مع الحكومة السورية في نقل المرتزقة والأسلحة والمعدات. وترجع ملكية الشركة اسميا إلى مجموعة “شموط ” التي يرأسها رجل الأعمال عصام شموط والمفروضة عليه عقوبات أميركية منذ مايو 2015.

وافتتحت أجنحة الشام مكتبا لها في شارع فينيسيا بمدينة بنغازي في 5 مارس 2020، وبدأت بتسيير ثلاث رحلات أسبوعيا من دمشق إلى بنغازي منذ أكتوبر/تشرين الأول 2020.

وتكشف رسالة حصلت عليها العربي الجديد، موجهة في 7 أكتوبر/تشرين الأول 2018 من حسين عبدالله  العامري مدير إدارة العلاقات والتعاون في وزارة الداخلية إلى وزير الداخلية المكلف فتحي باشا آغا، أن السفارة الأميركية في ليبيا وجهت مذكرة إلى وزارة الخارجية، تعرب فيها عن مخاوفها إزاء السماح لشركة أجنحة الشام للطيران بالهبوط في مطار بنغازي، وتأمل من الجانب الليبي القيام بمنع الشركة من الهبوط في المطارات الليبية باعتبار وقوعها تحت طائلة العقوبات الأميركية.

لكن رحلاتها ظلت مستمرة كما يكشف التقرير النهائي لفريق الخبراء المعني بليبيا، المنشأ بقرار من مجلس الأمن، والصادر في مارس 2021 في الملحق 55، “إذ نفذت طائرات تابعة لأجنحة الشام 21 رحلة مشبوهة من دمشق إلى بنغازي، في الفترة من 12 إبريل 2019 إلى 31 ديسمبر 2019، وبلغ مجموع الركاب الذين تم نقلهم من دمشق إلى بنغازي 3312 راكبا. كما بلغ عدد رحلات أجنحة الشام 83 رحلة خلال العام 2020، بمجموع ركاب 12324 راكبا، وكان معظمها من دمشق إلى بنغازي، منها 10 رحلات من مطار اللاذقية الذي يقع بجانب قاعدة حميميم الروسية، و3 رحلات إلى قاعدة الخادم العسكرية التابعة لقوات حفتر، كما كانت هناك رحلة من مطار الإمام الخميني الدولي بطهران إلى بنغازي، ورحلتان من العاصمة الأردنية عمان إلى بنغازي، ورحلة من الشارقة إلى بنغازي”.

وللحصول على ردّ رسمي حول ذك، سعى “العربي الجديد” في مارس الماضي إلى التواصل مع المقدم فرج الجارح، رئيس لجنة المعلومات والتحقيق في مديرية جمارك بنغازي، والذي تهرب من تقديم أي معلومات حول شبكة الطير ونشاطها.


وتعلن شركة أجنحة الشام عبر صفحتها أن عبد السلام الدج، مدير شركة المختار للشحن، هو أحد وكلائها في ليبيا أيضا، إلى جانب محمود الدج وشركة بلوتو للسياحة والسفر ومقرها بنغازي، والتي ظهر عبد السلام الدج في صورة مع أحد العاملين فيها.

ما هو رد الدج؟

عقب واقعة القبض على السفينة نوكا (Noka)، داهمت السلطات الليبية مقر شركة الطير في بو عطني ببنغازي، ويقول مديرها محمود الدج في رده على أسئلة “العربي الجديد” بأن مداهمة المخازن التابعة لمقر شركته، والقبض على اثنين من موظفيه عام 2018، كانا بهدف التفاوض معه على دفع مبلغ مالي في سبيل الإفراج عن الموظفين وإقفال القضية، مضيفا أن جهات ليبية استمرت بالتفاوض معه وابتزازه لمدة شهر، لكنه رفض الاستجابة لهم على حدّ قوله، ولديه تسجيلات صوتية لهم قام بإرسالها إلى السلطات السورية لتتفهم قضيته وإلى السلطات الليبية التي حاسبت أولئك الأشخاص على حدّ قوله، لكنه لم ينشرها حفاظا على سلامة عائلته وأقاربه في ليبيا، وعلى العلاقات بين البلدين.

ويؤكد محمود الدج أن شركته حصلت على البراءة في قضية سفينة نوكا التي ضبطت السلطات اليونانية المخدرات على متنها، أما في بنغازي فكل القضية مفبركة، والمدان محمد هاني عبدين، المحكوم بالإعدام غيابيا أيضا، كانت البوليصة باسمه عندما ضُبطت سفينة نوكا، وهو موجود في سورية حاليا كما يقول محمود الدج.

وعلى الرغم من وعود محمود الدجّ بتزويد “العربي الجديد” بصورة عن الحكم وبالتسجيلات الصوتية لإثبات ما يتحدث عنه، إلا أنه تهرب من معدي التحقيق.

المصدر: العربي الجديد

قد يعجبك ايضا