حلب والواقع الاجتماعي والسياسي في رواية لميس الزين “الفناء الخلفي”

(إياس اليوسف)

تأثرتْ كثير من النصوص الروائية السورية النسوية بعد عام (2011) بالثورة، بعد أن كانت مواضيع الحب والحنين وحرية المرأه وقضاياها المجتمعية هي اﻷثيرة لديهن، فرصدت تطوراتها كاتبات سوريات واكبن أحداثها من الخارج، وأخريات عشن تفاصيلها في الداخل السوري، لتبزغ نصوص جديدة تتصل بالواقع السوري السياسي، تعالج موضوعات كالوطن والوطنية والطائفية والدمار والنزوح واللجوء والتطرف الديني، لتشكل أعمالهن الروائية صورة لما جرى ويجري على أرض سورية، لتكون شهاده أدبية على الأحداث التي روعت الشعب السوري بجرائمها وحولت المدن الى ركام من الحجارة وقطعت الناس إلى أشلاء بشرية وشرّدت وهجرّت الناجين في أصقاع الأرض.

هدم بعضهن جدار المواربة والتورية التي كن يعتمدنها قبل الثورة، فيما حافظت عليه أخريات عليه، كل بحسب موقعها.
ومن النصوص الروائية اللافتة التي صدرت في شباط من هذا العام 2022 عن دار رياض الريّس في بيروت رواية (الفناء الخلفي) للأديبة السورية “لميس الزين”.

وتنفرد هذه الرواية برصد بدايات الاحتجاجات في حلب تحديداً، وبقلم نسائي من الداخل السوري.
تبدأ الرواية من وسط حلب وهو سوق المدينة التجاري الأثري، حيث تضعنا الكاتبة مباشرة أمام محلات الحاج قدري الذي يتوسط جلسة حوار مع بعض جيرانه من تجار السوق، نتعرف من خلاله على نوع وحجم تجارته داخل حلب وخارجها. الحاج قدري كما صوّرته لنا الرواية رجل لا يهتم بالسياسة، جلّ تفكيره محصور في تجارته ومصنعه الذي كاد أن يتم لولا اندلاع المظاهرات (كلما هممنا بتجهيزه اندلعت الاشتباكات بالليرمون) وهو غير راض عما يجري فيبدي الاستياء من مجريات الأحداث لأنها عطلت مصالحه التجارية (لا حول ولا قوه الا بالله، من وين طلعوا لنا بالقصة؟).

وبرأيي أن الكاتبة مهدت ومنذ الصفحات الأولى لتعرية الحاج قدري ولامبالاته السياسية كنموذج لشريحة تعد الأوسع في حلب عاصمة الاقتصاد السوري، وهي شريحة التجار والصناعيين، والتي اتخذت موقف الحياد مما يجري لأن السياسة خارج حدود اهتماماتها المحصورة في تجاراتها. فنرى الحاج قدري يتضرع الى الله أن ينهي هذه القلاقل التي بدأت كمظاهرات (الله يطفيها بنورها أحسن شيء) غير ملتفت إلا إلى عمله (ثم بدأ بتسجيل البضاعة التي خرجت من المحل..)

تبدأ الكاتبة بعدها بتعرية اجتماعية شاملة عبر وضع عائلة الحاج قدري على شريحة مجهر، فالحاج من المتزمتين المتشددين، أما حين تتعارض مصالحهم الماديه مع دينهم نراهم يتخلون عنه. فيما يبرز تشدده في تربية أبنائه الذين أرادهم عونا له في أعماله، فلم يكملوا تعليمهم سوى “سامي” الحاصل على شهادة العلوم الشرعية من جامعة دمشق.

ترصد لنا الكاتبة من خلال تلك العائلة واقعا مليئا بالتناقضات، نتعرف إليه من خلال سياق سردي حكائي دون تكلف أو تعقيد. ثم تأتي بعدها اللحظة التي تنطلق منها حكاية سامي وشمس حين يكتشف الحاج قدري أثر قبلة ساخنة مطبوعة على رقبة سامي فيبدأ بتوبيخه، لنكتشف لاحقا أنها كانت نتيجة زواجه سراً من فتاة تكبره بعدة سنوات دون موافقتهم ودون علمهم، لينتهي به الأمر مطروداً من المنزل والعمل.

شمس كما رسمتها لنا الكاتبة، شخصيه أنثوية شأنها كشأن قريناتها من الفتيات اللواتي يعشن في بيئة تختزل الدين في الحفاظ على سمعة نسائه أمام عيون المجتمع، توفى والدها وهي في بداية مراهقتها ليتسلط عليها أخواها وبمباركة من الأم التي لا تعي من الأخلاق سوى عبارة (بيحكوا علينا الناس) ترددها كلازمة تعارض بها أي رغبة تبديها ابنتها، فتخلق شرخاً نفسياً في العلاقة بينهما (شمس لا تذكر أن أمها حكت لها يوما عما يجب أن تفعله لتزيل الشعر الزائد تحت إبطها وحول عانتها وكيف تتعامل مع جسدها الذي بدا ينمو..) لتخلي الأم مسؤوليتها وتترك مدارك ابنتها الجسدية والعاطفية تتفتح على يدي صديقتها خديجة ابنه الجيران التي تكبرها بثلاث سنوات، لتنشأ شمس وقد لازمها الشعور أن (تلك المرحلة المسماة مراهقة سقطت سهوا من حياتها). تدخل الجامعة محملة بقيود اجتماعية ورثتها عن عائلتها المحافظة مما جعلها عاجزة عن عقد صداقة حقيقية مع زميلات وزملاء الجامعة، وتنال شهادة الإجازة في علم الاجتماع التي تؤهلها للعمل في مدرسة للبنات مرشدة اجتماعية، لكنها بسبب ميلها للعزلة آثرت عدم الانتظام في وظيفة واختارت العمل منفردة على دراسات تعدها لصالح جهات تعنى بقضايا المجتمع والتربية، ثم يغترب أخواها لتبقى (في حي الخالدية الملاصق لمبنى الجوية أحد الخطوط الساخنة بين مناطق سيطرة المسلحين ومبنى القوى الجوية) وحيدة (كغصن كسر من شجرة في غابة بدأت أطرافها تحترق). تقول عن نفسها لاحقا (أحب الحياة لكنها لا تبادلني الشعور).

لن ألخص الرواية لأن ذلك ليس الهدف من هذه القراءة، ولكني سأتوقف عند رؤية الكاتبة للبيئة الحلبية وموقفها من الواقع السياسي والاجتماعي في حلب. فقد فككت الكاتبة بنية هذه البيئة وتمكنت من تعريتها وإدانتها من خلال سردها لتفاصيل حياة عائلتي الحاج قدري (التاجر المتدين) وعائلة شمس وانعكاس التربية المتزمتة سلبا على مسيرة شخصية كل فرد فيهما، وكذلك نراها تمكنت من تعريتهم من آخر قطعة كانت تستر جسد طبقة تخلت عن مسؤوليتها الوطنية، تجسدت بعدم اكتراثهم بما يجري في القسم الشرقي من مدينة حلب ظنا منهم أن النيران في جانب آخر، لكن النار عندما تشتعل تطال الجميع، فكان سوق المدينة أول ما احترق فيها ليذهب ما أسسوا من بضائع وتجارة ومحلات.

نلمس هنا وعي الكاتبة العميق لما يجري من مخططات بعيدة المدى أرادوا بها تغيير تاريخ بلد عريق من خلال تدمير بعض معالمه التاريخية القديمة كسوق المدينة، تقول شمس: (سوق كان يقصدها أبو الطيب المتنبي.. فالحرب التي طالت الناس والحجر تطال التاريخ أيضا).
كما فضحت الرواية النفاق الاجتماعي الذي يمارسونه والقيم الدينية التي يتشدقون بها وكشفت تشدد وتزمت هذه العوائل الغنية المتدينة في حلب. وأساليب التربية الفاشلة التي أنشؤوا عليها أبناءهم، فحمزة ينتهي به المطاف في تركيا بتسجيل ما تبقى من ثروة العائلة باسمه، وسامي يثور على تقاليد الأسرة الصارمة في الزواج فيتزوج سرا من فتاة سافرة، فيما يعيش أنس حياته معقداً نفسياً بسبب الاعتداء الجنسي الذي وقع عليه وخوفه وقتذاك من إخبار عائلته، فيُقتل في الشق الشرقي من المدينة وهو يبحث عن معلمه الذي اعتدى عليه ليثأر منه، فلا تُعرف الجهة التي قتلته (جنائز المغمورين صغيرة كأحلامهم المجهضة، فيما تتحول جنائز المسؤولين عن إجهاض أحلامهم إلى مهرجانات من ورد وغار)

تدخلنا الكاتبة في عمق الواقع الحلبي والعادات الاجتماعية المهتمة بالمظاهر والقشور، ومن ذلك تصوير الوليمة التي أقامتها حرم الحاج قدري لأهل عروس ابنها بعد عقد القران، موائد فيها أصناف مما لذَّ وطاب من الطعام والحلويات والفاكهة في الوقت الذي تشتعل فيه نيران الحرب في عدة أحياء من حلب، إنهم يعيشون ملذات حياتهم وكأن حربا لا تشتعل، متخلين عن إنسانيتهم وشعورهم بالآخرين.

وفي مظاهر الخلل الاجتماعي تصل بنا الكاتبة إلى احتدام الصراع بين سامي وأهله والضغط عليه بشتى الطرق كي يطلق من تزوجها دون علم و إرادة منهم، فهي من عائلة لا توازي وضعهم المادي، لتبلغ ضغوطاتهم حد إغواء بنت خاله له ودخولها الغرفة عليه، بترتيب من العائلة التي تدّعي التديّن.

تتعرض الكاتبة أيضا لقضية التفرقة المناطقية، موقف العوائل الحلبية من غير الحلبيين ورفض تزويج بناتهم لأبناء الريف، فعائلة الحاج قدري ترفض تزويج ابنتهم ميمونة التي قاربت الثلاثين لمتقدم فقط لأنه من أصل ريفي.

وفي الرواية هناك جرأة من الكاتبة على إبراز مقدار الظلم والإجحاف الذي يصيب المرأة في مجتمع لا يعترف برغبات المرأة الجسدية ويحاربها سواء حققتها بطريق مشروع كما فعلت شمس بزواجها من سامي، الزواج الذي كسر أعراف العائلة فحورب حتى النهاية، أو بطريق غير مشروع كعلاقة ناهد بمديرها الذي يقفل باب مكتبه عليهما. فكان الفشل مصير العلاقتين.
وعن الاضطرابات التي عصفت بحلب وظهرت كخلفية للأحداث، نجد شخصية عادل صديق سامي أيام الدراسة الذي يحاول إقناع سامي بضرورة المطالبة بالتغيير والإصلاح وعدم تكميم الأفواه، فيكسر سامي طوق تعليمات أسرته ويخرج في مظاهرة يتيمة، من جامع بلال في حي صلاح الدين، بدأت بهتافات سلمية وتم تفريقها بالرصاص.

يحاول عادل ضمه إلى قيادة الثورة بحلب إذ يجمعه بالمحامي هادي الذي يقول له: (نحن لانريد أكثر من الحرية والإصلاح وانتخابات نزيهة يختار الشعب فيها ممثليه) ولكن سامي يتجاهل الدعوة ويبتعد عن عادل رافضا الانخراط مع أية جماعة بعمل سياسي لأنه كان ابن بيئة تنأى بنفسها عن السياسة ولا تلتفت إلا لمصالحها المادية والتجارية، بيئة تتعامل مع أنظمة الحكم من خلال مقولة شهيرة لتجار حلب (من يتزوج أمنا يصبح عمنا) وكذلك لا تختلف نظرتهم إلى الصراع على السلطة كثيرا عن قول الكثيرين (فخار يكسر بعضه).. نجحت الكاتبة برصد سلمية المظاهرات ونقاء الأهداف التي خرجت من أجلها، قبل أن تتحول إلى السلاح.

ولا بد من الإشارة في النهاية إلى أن الكاتبة تعيش في مدينة حلب، فهي وإن استطاعت بحنكة تصوير الأوضاع السياسية والاقتصادية والاجتماعية التي تضغط على عنق الوطن والمواطن، وإخراج روايتها برؤية حيادية إلا أني أراها جرأة سياسية.

لقد جاء نص الزين شهادة جريئة على الواقع الاجتماعي والسياسي لمدينة حلب الذي لعب دورا سلبيا بتنصلها من مسؤولياتها السياسية من أجل تحقيق المطالب التي خرجت المظاهرات لأجلها.

 

 

 

 

قد يعجبك ايضا