مركز الدراسات والبحوث العلمية في سوريا: العلم في خدمة الديكتاتور (١ من ٣)

حلب


الجزء الأول: من التأسيس إلى الانهيار.. الأهداف السريّة والأصابع الطائفية!

 فريق التحقيقات في صحيفة “جسر”

أحالت الغارات الإسرائيلية منشآت “مركز الدراسات والبحوث العلمية” في برزة، شمال شرق مدينة دمشق، أنقاضاً، بعد أن كانت تضج بنوع خاص وغامض من الحياة، وراء أسوار عالية من السريّة والكتمان. فريق التحقيقات في صحيفة “جسر”، دخل إلى تلك المنطقة المظلمة، عبر نقاش مطول مع ثلاثة منشقين من العاملين السابقين في المركز، ليكشف، ولأول مرة، أجزاء هامة من لغز تلك المؤسسة، التي أنتجت بصمت قاتل، أخطر اسلحة نظام آل الأسد، والتي ما يزال يتمتع بفضلها، بالقدرة على البقاء. في هذا الجزء الأول، سنروي السيرة العامة للمركز، وفي الجزء الثاني سندخل في تفاصيل هيكليته، أقسامه والأسلحة التي أنتجت فيه، مع أسماء القائمين عليها والمسؤولين عنها. أما في الجزء الثالث والأخير، فسنلقي الضوء على أخطر الأسلحة وأكثرها شهرة، وهي الأسلحة الكيمياوية، وسنختم بالحديث عن الدول والمؤسسات التي عاونت الأسد في تصنيع أسلحته، وعلى رأسها الدولة والمؤسسات الفرنسيّة.

وقد اعتمدنا في هذا الاستقصاء بشكل رئيسي على منشقين عن المركز طلبوا الإشارة إليهم بأسماء مستعارة:

مانع: باحث قديم عمل في مركز البحوث لأكثر من ٣٠ سنة.

جهاد: ضابط مهندس عمل في المركز لأكثر من ٢٠ سنة.

زين: مساعد مهندس عمل في المركز لأكثر من ٢٠ سنة.

جدير بالذكر أنه لم يسبق لمنشقين من داخل المركز التحدث لوسائل الإعلام، باستثناء موظف “إداري” تحدث لإحدى القنوات التلفزيونية عن البنية التنظيمية للمركز، وبعض المعلومات العامة.

عبد الله واثق شهيد:

لا يرد ذكر مركز البحوث والدراسات العلمية إلا مقترناً باسم (الدكتور عبد الله واثق شهيد)، فهو المؤسسة في رجل، والرجل بمؤسّسة. وفق سيرته التي كتبها بنفسه، فقد ولد عبد الله واثق شهيد سنة ١٩٢٧، لأسرة تعمل في الإفتاء ببلدة حارم في ادلب، وعاش طفولته الباكرة في بلدة أجداده، دارة عزة، الواقعة شمال حلب. تتلمذ على يد والده، خريج الأزهر، وحفظ القرآن باكراً، وانتقل للدراسة في حلب، وحصل هناك على الباكالوريا الثانية سنة ١٩٤٥، وعمل لفترة وجيزة كمدرس في ثانوية “تجهيز حلب”، بعد أن درس العلوم في الجامعة السورية “جامعة دمشق اليوم”، التي تخرج منها سنة ١٩٥٠. أوفد (شهيد) إلى فرنسا لإتمام الدراسات العليا سنة ١٩٥٣، وعاد منها بشهادة الدكتوراه سنة ١٩٥٧، مختصاً بالمسرعات الخطيّة، وهو اختصاص جديد حينها، على صلة بالعلوم الذرية. وفي سنة ١٩٥٩، أوفد مرة أخرى إلى سويسرا، حيث درس في “نوشاتل” التفاعلات النووية في الطاقات المنخفضة، لمدة تسعة أشهر. أول وزير تعليم عالٍ في سوريا: لم يكن الرجل ذو التكوين العلمي بعيداً عن حقل السياسة، كما تشي سيرته العلمية، إذ يقول في مذكراته إنه ارتاد في بداية حياته كمدرس في الجامعة، مع عدد من زملائه، ما يشبه “المنتدى السياسي”، ويبدو أنه كان ميالاً أو قريباً من أوساط “البعث اليساري”، فقد دعاه الياس فرح، عضو قيادة حزب البعث، ليصبح عضواً في البرلمان، وبالفعل تم تعيينه هناك، لكن ذلك البرلمان تم حلّه بعد جلسة واحدة، عندما وقع انقلاب ٢٣ شباط ١٩٦٦، الذي أطاح بأمين الحافظ، لكن يوسف زعين، رئيس الوزراء حينها، استدعاه، ليعينه نائباً لوزير التربية لشؤون الجامعات، ثم استدعاه مرة أخرى ليعينه على رأس وزارة التعليم العالي، التي أنشئت للتو.

علاقة مبكرة بركن أمني وآخر عسكري لنظام الأسد:

يبدو (شهيد) شديد التحفظ في مذكراته، ويسهب في وصف المراعي والآثار والطقس والبلاد التي زارها، لكنه يلقي عرضاً بعبارتين مقتضبتين في الكتاب، حول علاقته برمزين من رموز حقبة الأسد، تبدوان بالغتا الدلالة. الأولى يذكر فيها أنه تعرف على محمد خير بك ناصيف سنة ١٩٥٨، عندما كان الأخير محض طالب ضابط متقدم في مدرسة “الإشارة العسكرية”، فيما كان واثق شهيد يؤدي خدمته العسكرية كمدرب في تلك المدرسة، وناصيف هو مستودع أسرار حافظ الأسد كما هو معروف، وناصحه الأول، وسنعود إلى ما نعتقد أنه دافع شهيد لذكر هذه المعلومة، التي قد تبدو بريئة ولا معنى لها للوهلة الأولى. أما الشخصية الثانية التي يفصح عن علاقته المبكرة بها، فهو العماد أول حكمت الشهابي، رئيس أركان الجيش السوري منذ منتصف السبعينيات حتى أواخر التسعينيات، والذي كان (شهيد) قد درّسه أيضاً في ثانوية التجهيز بحلب، وتجددت معرفته به نهاية الستينيات، عندما كان الشهابي برتبة عقيد. الأسد وواثق شهيد: من المعلومات الخاطئة المتداولة، أن (شهيد) قد كتب بنفسه مرسوم إنشاء مؤسسة البحوث العلمية في بداية السبعينات، بعد اتفاق خاص مع حافظ الأسد، لكن شهيد يذكر بنفسه أن المرسوم صدر في صيف ١٩٦٩، عندما كان موفداً في فرنسا، ولدى عودته سمع كلاماً يتردد بين زملائه حول تكليفه بإنشاء المركز، وهو الأمر الذي صدر في ٢٣ شباط ١٩٧١، أي قبل أشهر من استيلاء الأسد على السلطة، لكن العمل بالمؤسسة لم يبدأ فعلاً سوى في أيار ١٩٧٢، أي في زمن حافظ الأسد. والمرجح أنه حدث اتفاق مفصل بين الرجلين بالفعل حول هذا الأمر، فقد تمتع (شهيد) بصلاحيات استثنائية غير منصوص عليها في القوانين المعتمدة، ولم يحظ بها أحد من المسؤولين الذين عينهم الأسد طوال فترة حكمه. في مذكراته، يتحدث (شهيد) عن حافظ الأسد بتحفظ العالم، ويصفه بـ”الرئيس” دون ذكر اسمه، إلا في موضعين أو ثلاثة، يوحي هذا التجهيل أحياناً بنوع من الألفة، وأحياناً أخرى بالنديّة، لكن خاتمة الفصل الخاص من كتاب شهيد حول البحوث العلمية، توحي بأن هذا الوصف ربما كان ينطوي على مشاعر سلبية عميقة، ربما تكون الإحساس بالغبن أو الخديعة، وربما تأتي في سياق غير واع، لتحميل مسؤولية ما ترتب على عمله في تلك المؤسسة لشخص آخر: “الرئيس”.

دويلة “سنيّة” داخل الدولة “العلوية”:

من شبه المؤكد أن طموح حافظ الأسد إلى إنتاج سلاح نووي كان وراء إسناد إدارة هذه المؤسسة لعالم فيزياء، والإغداق عليها، إلا أن المنشق “مانع” الذي عمل في المركز لأكثر من ثلاثين سنة، يعيد في حديثه لجسر، ترتيب الدوافع على نحو آخر، فيضع العامل الطائفي على رأس أسباب حافظ الأسد، فهو “جند العلويين لصالح نظامه في الجيش والأمن، وهذا سيبعد عنه بطبيعة الحال النخبة السنية المتعلمة، وهي الأوسع في البلاد بحكم غالبيتها العددية، وبحكم وصولها الأكبر إلى التعليم، وهذا مصدر خطر لوهلة الأولى، لكنه يستطيع أن يحوله إلى فرصة، بتقديم بعض التنازلات المحدودة في حيز محدود و ضيق. وعليه، وجد ضالته في (واثق شهيد)، الذي تكفل له بجمع النخبة العلمية السورية في مكان واحد، والسيطرة على قدراتها، وتسخيرها لخدمة النظام، لكن بشروط وتسهيلات لا بد منها لإقناعها بالبقاء بالعمل لصالح النظام بطريقة غير مباشرة”. وهو ما حدث بالفعل، وفق “مانع”: “إذ كان نحو ٩٥ بالمئة من علماء وباحثي المركز وعماله العاديين أيضاً من السنّة، وأصبح مركز البحوث هو المكان الوحيد الذي يحرم دخول المخابرات ومؤسسات البعث إليه، ولم يشهد احتفالات ودبكات في المناسبات التي يمجدها النظام، ويعطل العمل في البلاد للاحتفال بها، وكان التدين بين أعضائه شائعاً جداً، وأبعد من ذلك، ضم المركز أشخاصاً معروفين بتطرفهم الديني، مثل المهندس جابر الشيخ، الذي كان يجاهر بميوله الإسلامية المتشددة، ويطلق لحيته على شاكلة رجال الدين السلفيين، وقد أصبح فيما بعد قائد (حركة أحرار الشام الإسلامية). وطوال فترة إدارة (شهيد) للمركز، كان يحق لكل باحث أن يتمتع بإجازة للحج إلى مكة بشروط ميسرة، ودون اعتراض أحد، وكان عدد كبير من الباحثين والعلماء يصلي الفروض الخمس جهاراً في مكتبه، أما الفنيون الصغار، والعاملون في الورشات، فقد كان بإمكانهم أن يقيموا الصلاة بشكل جماعي”. وتعد كل تلك الممارسات، من المحظورات في كافة مؤسسات نظام الأسد، مصدرنا أضاف، أنه “حتى فيما يتعلق بالضابط المسؤول أمنياً عن البحوث العلمية، تم تعيين السني علي مملوك، كمسؤول أمني أول، ومنتدب من إدارة المخابرات الجوية، وهو الجهاز الأمني المنوط به حماية ورعاية البحوث العلمية أمنياً، ولكن من الخارج فقط”. أب قائد لـ “دويلة العلم “: في المؤسسة المتمتعة باستقلال استثنائي، والتي وصفها (شهيد) بـ”مدينة المعرفة”، وأرادها مغلقة وتسير وفق إرادته ورؤيته، ماثل الرجل كثيراً بين أساليبه وسلوكه وأساليب وسلوك حافظ الأسد في نظامه الخاص، فنسبة السنّة في “نظامه” تفوق الـ٩٠ بالمئة، وهي توازي نسبة العلويين في نظام الأسد العسكري والأمني، ومثل الأسد، فإن (شهيد) يبسط عليهم سلطةً رعائيةً أبويّةً، كالتي كان يبسطها “الأب القائد” على الدولة. كما كان (شهيد) يتابع شؤون مرؤوسيه الشخصية والعامة بحدب أبوي قل نظيره، ويتذكر كل من عمل معه مقولته الشهيرة “عليكم دروسكم وعلينا البقية”. وأباح لنفسه وضع قوانين تتدخل في صلب حياتهم الاجتماعية، مثل منع الزواج بأجنبية بالنسبة للموفدين خشية عدم عودتهم، وإيفاد الزوجة في حال أوفد زوجها حتى لو لم تحقق الشروط المطلوبة لمرافقته، وكذلك بالنسبة للزوجة الموفدة. كما كان شهيد يفاجئ بعض العاملين بمبادرات شخصية تنم عن متابعته لأدق شؤونهم، مثل وضع سيارته الشخصية بتصرف باحثة تقطن بعيداً عن المركز، ولا يتوفر لها وسيلة مواصلات إلى منزلها، كما يعرف العاملون في المركز حكايته مع الطالب الذي قبل إيفاده، لكنه لم يستطع دفع الكفالة اللازمة للسماح له بالسفر، فكفله شهيد بنفسه، وزاد على ذلك أنه كان يطمئن على والدي الطالب المسنين باستمرار. لكن أكثر الحكايات دلالة هي ما كتبه شهيد بنفسه في سيرته، فعندما بدأت بعض ظواهر الفساد الصغيرة تطلّ برأسها في المركز، قرر أن ينشئ جهاز مراقبة وتفتيش، يضع على رأسه شخصاً موثوقاً ومؤتمناً، ولم يجد سوى شقيقه الأصغر (كمال) الذي كان موظفاً في شركة حكومية أخرى، وقد انتزع موافقة مجلس الإدارة على هذا التعيين، لكن شقيقه رفض الوظيفة.

غزو “دويلة” واثق شهيد:

من الصعب أن يتحقق المرء من صحة التحليل “الطائفي” لما كان يجري حول/ وفي مركز البحوث العلمية، لكن المنشقون الثلاثة، وجميعهم من السنة، يؤكدون أن صراعاً طائفياً قد نشب للهيمنة على المركز، وانتهى بخرابه. ويؤرخ هؤلاء لبدايات الخراب بلحظة تأسيس (المعهد العالي للعلوم التطبيقيّة والتكنولوجيا) عام ١٩٨٣، الذي عهد إليه إعداد الباحثين في المركز، وبينما كان يتم انتقاء موظفي مؤسسة البحوث العلمية من بين الخريجين الأوائل من كليات الهندسة، بحيث تكون الكفاءة حينها مضمونة بدرجة كبيرة، لاعتماد التقييم اختبارات دائمة على مدى خمس سنوات، وكانت الأغلبية الساحقة بطبيعة الحال تأتي من المكون السني، اعتمد “المعهد العالي” على درجة النجاح في الشهادة الثانوية العلمية فقط، وهي اختبار واحد، ويزعم المنشقون أن أبناء الطائفة العلوية، كانوا يحصلون على نتائج عالية غير مستحقة، بفضل النفوذ وتسريب الأسئلة أو غير ذلك، والمؤكد أنهم احتلوا غالبية مقاعد الدراسة في المعهد الوليد، وحصلوا سريعاً على ايفادات للحصول على “ماسترات ودكتوراه” في دول أوربية. نقطة التحول كما يصفها “مانع” هي لحظة عودة عزيز إسبر سنة ١٩٩٣، وهو علوي من الدفعة الأولى من خريجي المعهد، حاملاً شهادة الدكتوراه من فرنسا باختصاص جديد هو “ميكاترونكس”، حيث تم الاحتفاء به بطريقة استثنائية، وعين قبل وصوله إلى سوريا رئيساً لأحد أقسام فرع حلب (القطاع رقم ٤) ثم مديراً له خلال مدة وجيزة. وفي هذه المرحلة، كانت تجري عملية تحجيم نفوذ (شهيد)، إذا حرم من صلاته الأوربية التي كان يعتمد عليها في بناء قوته، خاصة بعد التحفظات الغربية على أعمال المركز، عقب الحديث المتصاعد عن برنامج صدام حسين النووي، وتقلصت المنح الخارجية إلى فرنسا وبريطانيا وألمانيا بشكل كبير، وتراجعت العقود مع الجهات والمؤسسات العلمية الأوربية، وأُرغم شهيد على إرسال باحثيه إلى روسيا لاستكمال تأهيلهم، وباستقالته يكون قد سقط رمز البحوث وحارسه، الأمر الذي سهل لعزيز اسبر والعميد محمد سليمان وآخرين، من الطائفة العلوية، الهيمنة على المركز – بتعبير “جهاد”، وواصل اسبر زحفه مدعوماً بزملاء جدد له، وبعسكريين من طائفتهم أحكموا قبضتهم على كافة مفاصل العمل في المعهد، وكان واضحاً للعيان أن الباحث الشاب سيسلك طريقاً سريعاً إلى قيادته، حيث بدأ مع العميد محمد سليمان بتغيره جذرياً، وافتتحت تحت إشرافه فروع جديدة له في الساحل السوري “مصياف”، وتم توثيق العلاقة مع إيران، وتضخمت أعداد العلويين، سواء باحثين أو عسكريين مفرزين إلى البحوث، أو حتى العمال العاديين الذين يتم توظيفهم.

(واثق شهيد) مهزوماً ومنفياً في “مجمع اللغة العربية”:

يقول “مانع”: “إن حافظ الأسد قلب ظهر المجن لشريكه ما أن أنجز مهمته”، وهي “الوصول إلى التوازن الاستراتيجي، لكن ليس مع العدو الإسرائيلي، بل مع طائفة الأغلبية، أي السنّة، الذين عانى الأمرين من تمردهم عليه في بداية الثمانينيات، فالسلاح الكيمياوي تم إنتاجه، وصار في مستودعات أمينة تحت قبضة أقرب معاونيه، والعلماء والباحثين من الطائفة العلوية تم إعدادهم وباشروا عملهم، ولم يعد الأسد ونظامه بحاجة لشهيد وعلمائه من (السنّة)، فلماذا يبقيه في هذا الوضع الاستثنائي الشاذ، خاصة في بداية التسعينيات، التي شهدت استقراراً داخلياً واقليمياً استثنائياً للنظام”. أما (شهيد) فيختم مذكراته بالحديث دون مقدمات عن رسالة طويلة، لم يكشف مضمونها، وجهها إلى حافظ الأسد، يطلب فيها إقالته من إدارة المركز، ويكتفي بالقول “إنه فعل ذلك لتجنب التصادم مع أصدقاء أعزة اختلف معهم بالرأي لا بل بمبادئ العمل”!. وبالبحث والمقارنة مع الوقائع التاريخية، استنتجنا أن محمد ناصيف، مستشار الأسد الأكثر قرباً، هو الوحيد الذي يمكنه أن يقف في وجه (شهيد)، رغم أنه صديق قديم جداً لشهيد، وهو أيضاً مهندس التوجه نحو إيران منذ سبعينيات القرن الماضي، وهو من كان يتولى الإعداد لمرحلة ما بعد حافظ الأسد، الذي كلفه بتهيئة ابنه باسل، ومن ثم بشار، لتولي الحكم. وبهذا المعنى تأتي إزاحة (واثق شهيد)، وإفراغ “دويلته” من مضمونها، كجزء من ترتيبات إزاحة كل ما يمكن أن يكون عقبة أمام الوريث، الذي لن يتمكن من مواجهة الصعاب بكفاءة والده سواء كان باسل، أو بشار. لم تقبل استقالة واثق شهيد التي أرسلها في الربع الأخير من سنة ١٩٩٣، ولم يراجعه حافظ الأسد بشأنها، كما كان يحدث سابقاً، إذ يذكر واثق كيف أنه كان يطلع حافظ الأسد على أدق التفاصيل في المعهد، مثل اختلاس صغير حدث فيه، ويذكر أيضاً أنه في أحد لقاءاته ذكر له أنه عندما كان في زيارة علمية إلى فرنسا كيف سمع باحثين فرنسيين يذكرون اسم الأسد وهم في معرض الحديث عن سوريا، وكيف سر الأسد بذلك، بل إن (شهيد) يقول إنه قال للأسد “لم أكن أعلم أنك صرت مشهوراً إلى هذا الحد!” فيكتفي الأسد بالابتسام، كما تقدم (واثق شهيد) باستقالته عدد من المرات عندما عرض عليه تسلم إدارة مؤسسات دولية، فرفضها الأسد، وعلل له أسباب الرفض. في مذكراته أيضاً، يعزو (شهيد) تجاهل الأسد لرسالته واستقالته الأخيرة إلى انشغاله بمقتل ولده باسل مطلع سنة ١٩٩٤، واكتفى بقبول الاستقالة في أواسط سنة ١٩٩٤، لكن (شهيد) يختم كلامه عن هذه الحقبة بحديث يشي بغير ذلك، إذ يقول إنه عندما عرض عليه مقابلة “الرئيس” بعد قبول الاستقالة “اعتذر”، ويتذرع في كتابه بالقول إنه كان يريد أن يجنب نفسه “الاحراج بذكر أسباب الاستقالة”، ويبدو أن تلك الأسباب من الخطورة والأهمية، بحيث أنها ستسبب مواجهة أو صداماً أكبر من قدرة (شهيد) على مواجهته.

حقبة اللواء علي ملاحفجي في البحوث العلمية:
انتقل (واثق شهيد) إلى ميدان مختلف كلياً عن ميدان البحث العلمي التطبيقي، وانتظم في “مجمع اللغة العربية بدمشق” ليقضي ما تبقى من عمره أميناً عاماً من سنة ١٩٩٦ إلى ٢٠٠٨، وعاملاً على معجمي الفيزياء والكيمياء حتى وفاته في ٢٠١٥، أما “مركزه” فقد عين على رأسه ضابط طيار!

يعتبر اللواء على ملاحفجي، وهي سني من حلب، من رجال الأسد الموثوقين، منذ أن كان في بداية السبعينيات رئيساً لأركان اللواء الجوي ٥٠، برتبة نقيب، ومقره مطار التيفور، ويقوده الرائد الطيار الفلسطيني المعروف محمود عزام، الذي قتل في حادث سير، وهو في طريقه لاستلام قيادة القوى الجوية بعد ذلك بسنوات. قوة ملاحفجي لا تأتي فقط من من ولائه لحافظ الأسد، بل من مهنيته العالية، إذ يعد من أميز طياري سلاح الجو السوري، وتقلد وسام بطل الجمهورية عن استحقاق، لحيازته المركز الأول في عدد الطائرات الإسرائيلية التي أسقطها في حرب تشرين، وهي سبع طائرات، عندما كان برتبة مقدم، وقائداً للواء ١٧ “مطار السين”، ثم رئيساً لأركان القوى الجوية، ثم قائداً لها حتى سنة ١٩٩٤.

مشكلة الرجل تكمن في عدم وجود منصب شاغر له، بعد أن أتم سنوات الخدمة كقائد لسلاح الطيران، وصار يستحق الترفع إلى منصب أعلى من منصب قائد سلاح الجو، وهو مالم يكن متاحاً في سلسلة المناصب المقسمة طائفياً في نظام الأسد، حيث خص “السنّة” بمنصبين، يشغلهما كل من مصطفى طلاس وزيراً للدفاع، وحكمت الشهابي رئيساً للأركان، ومزاحمة ملاحفجي لهما غير ممكنة. وتبدو فكرة وضع هذا الطيار على رأس المؤسسة العلمية غير منطقية، من وجهة نظر محايدة، لكنها من وجهة نظر النظام ومستشاريه فكرة معقولة للغاية، فالحفاظ على البحوث العلمية كمؤسسة “سنيّة” يقتضي وجود شخص سني ذي مكانة على رأسها خلفاً لشهيد، وإفراغها من محتواها، أو تبديله يقتضي المجيء بشخص لا علاقة له بها، بل جاهل بها تماماً، وهذا يسهل تفكيكها، وابتلاعها من قبل “النظام العسكري”.

كان ملاحفجي يتقن اللغة الروسية، ومغرما بالعلوم والمناهج التي اتبعت في زمن “الاتحاد السوفياتي”، حيث تدرب وعمل طوال حياته على طائرات من إنتاج هذه المنظومة، وما أن تولى إدارة المركز حتى بدأ بإيفاد أعداد كبيرة إلى روسيا، معظمهم من العسكريين، خريجي اكاديمية الهندسة العسكرية، ومن الطائفة العلوية غالباً، ولم تشهد حقبته إنجازاً علمياً يذكر إلى أن تمت إقالته سنة ١٩٩٩، ليتولى إدارة البحوث الدكتور عبد الحليم منصور لمدة وجيزة، ثم يتولى إدارتها عمرو أرمنازي حتى اليوم. وقد شهدت هذه المرحلة استبدال العلاقة الشخصية بين مدير المركز ورئيس الجمهورية، بما بات يدعى بمندوب القصر الجمهوري، الذي أصبحت له اليد العليا في المركز، بوصفه يمثل إرادة “الرئيس”. المرحلة الإيرانية في البحوث العلمية: في حقبة الإدارة الفعلية للمركز من قبل العميد محمد سليمان، جرى التحول من العلاقة مع روسيا بالتدريج، إلى علاقة “تماهي” مع مراكز البحث في إيران، وبدرجة أقل مع كوريا الشمالية، ولم يعد الروس يستطيعون الحصول على أية مشاريع في مركز البحوث، رغم ترددهم الدائم عليه، وعرض خدماتهم، وهو ما صدم الخبراء الروس، الذين سألوا باحثين في المركز، منهم “مانع” بدهشة عن عدم قبول مقترحاتهم، مع أنها أكثر جودة من العروض الايرانية والكورية وأقل كلفة، فيقول “مانع” إن “تدخل الايرانيين بدأ مع بداية الألفية، لكن فيما بعد حرب تموز ٢٠٠٦ فتحت لهم كل الأبواب، ومع بداية الثورة، أصبحت المؤسسة تحت الهيمنة الايرانية المباشرة، وأصبحوا أصحاب الكلمة الأخيرة، ويعمل السوريون تحت إشرافهم الكامل تقريباً”. قتل محمد سليمان سنة ٢٠٠٨ بعملية مازالت غامضة في شاليه خاص بطرطوس، وخلفه العميد بسام حسن كمندوب للقصر الجمهوري، أما الدكتور عزيز إسبر، الذي كان رجل العمل الميداني، فقد قتل أيضاً بتفجير غامض طال سيارته الخاصة في سنة ٢٠١٨، وبعد مقتله كشفت عائلته عن صفحة على فيسبوك كان يديرها باسم مستعار، وهو نادر كوسا، ليتبدى مقدار غرام إسبر بإيران، لا علمياً فقط، بل دينياً ومذهبياً، وكم كان يكن من العداء والحقد للطائفة السنيّة، الذين يصفهم بـ”السفيانيين” و”أحفاد هند الكبدية”، وهي شتائم رائجة لدى غلاة الشيعة.

حفل تأبين:

في ٣٠ أيلول/سبتمبر سنة ٢٠١٥، أقام مجمع اللغة العربية في دمشق، حفل تأبين متواضع لـ (واثق شهيد)، وفي تلك الأثناء كان المركز الذي أنفق الرجل حياته في بنائه وتطويره قد أضحى ركاماً بالمعنيين الحرفي والمجازي، لكن ثمراته القاتلة كانت لا تزال تتساقط بغزارة، على مرمى حجر من بعد من منزل (واثق شهيد) في دمشق، وفي مسقط رأسه دارة عزة، وفي كل قرى وبلدات ومدن العاملين في المركز، هي غلّة متنوعة وغنيّة من الأسلحة والذخائر، سواء التقليدية أوالمحرمة دولياً، وهي ما سنتطرق له في الجزئيين اللاحقين.

                                                       (الدكتور عبدالله واثق شهيد)
قد يعجبك ايضا