“ملحمة تكتيكال”: شركة جهادية خاصة؟

جسر: متابعات:

قالت صحيفة “نيزافيسيمايا غازيتا” الروسية، قبل يومين، إن موسكو ودمشق نفذتا عمليات أمنية مشتركة في منطقة إدلب، بهدف القضاء على مسلحين من أصول روسية، أو من جمهوريات الفضاء السوفياتي السابق. وأشارت إلى قتل عناصر في “شركة عسكرية خاصة” تعمل في مجال التدريب القتالي وتقديم المشورة للجماعات المسلحة غير القانونية، ومنهم “أبو سلمان البيلاروسي”.

ويُقدّرُ الإعلام الروسي أن عدد الجهاديين المنحدرين من الدول السوفياتية السابقة يصل إلى 5 آلاف في سوريا، وتخشى موسكو من عودتهم مستقبلاً ما يشكل تهديداً لها. وكذلك بكين تنظر بعين القلق إلى مجموعة “أبو سليمان” بسبب ارتباطها بـ”الحزب الاسلامي التركستاني”، الذي يطالب باقامة دولة اسلامية في اقليم تركستان الشرقية ذي الغالبية الايغورية الخاضع لسيطرة بكين.

ملحمة تاكتيكال

وهكذا، فجأة عادت “ملحمة تكتيكال” الناشطة في سوريا إلى الواجهة الإعلامية. إذ سرعان ما أعلنت الكتيبة عن مقتل قائدها ومؤسسها “أبو سلمان البيلاروسي”، في قصف جوي على ريف إدلب الجنوبي، وانها اختارت “أبو علي الشيشاني” قائداً جديداً للكتيبة.

لكن الشكوك تحوم حول أن “أبو سلمان” هو نفسه “أبو رفيق البيلاروسي” الذي سبق وأعلنت “ملحمة تكتيكال” مقتله وأفراد عائلته بالكامل، في هجوم جوي في شباط/فبراير 2017 شمالي سوريا. ما دفع البعض إلى الاعتقاد بأن الإعلان عن مقتل “أبو سلمان” قد يكون مجرد إجراء أمني احتياطي، بعد الإعلان الروسي عن العمليات الأمنية الخاصة.

ولم يظهر “أبو سلمان” في جميع الصور والفيديوهات المنشورة له إلا بقناع يخفي الوجه ما عدا العينين، واعتاد تغيير حساباته في وسائل التواصل باستمرار. “أبو سلمان” أجرى مقابلتين صحافيتين خلال الأعوام الثلاثة الماضية، ما يشير إلى ميله للنشاط الإعلامي، على غير عادة قادة الجهاديين من مرتبته، وساهم ذلك بوضع مجموعته الصغيرة التي لا يتجاوز عدد أفرادها العشرة، على خريطة القوى الجهادية التي تحظى بالاهتمام.

من الناحية العسكرية، فـ”ملحمة تكتيكال” الصغيرة المتخصصة بالتدريب وتقديم الاستشارات العسكرية، لا تقدم ما يمكن وصفه بالاستثنائي، وهذا باعتراف قائدها ذاته، وبالاعتماد كذلك على ما تنشره الجماعة في حساباتها. فالمهارات والتدريبات التي يقدمها أفرادها يمكن لصف ضابط منشق عن الفرق القتالية في قوات النظام، تقديمها للمقاتلين. لكن اقصاء العسكريين المنشقين من ضباط وصف ضباط عن العمل العسكري، جعل مثل هذه المهارات تبدو غير عادية بالنسبة للمقاتلين القادمين من خلفية غير عسكرية.

عناصر “ملحمة تكتيكال” دربوا المقاتلين على استخدام رشاشات PKC والقذائف الصاروخية RBG، والمسدسات، بالإضافة إلى التحمل واللياقة والتدريبات الطبية والإسعافات الأولية واستخدام المنظار الحراري، بجانب تدريبات خاصة على الطبوغرافيا، واستخدام الـGPS لإرشاد المدفعية والدبابات.

“أبو سلمان البيلاروسي”، الذي يعتقد أنه أوزبكي الجنسية، كان قد أكد أن “أبو رفيق البيلاروسي”، مؤسس “الكتيبة” وسلفه، كان يحمل رتبة عريف في سلاح المظليين الروس. وهي رتبة متدنية. ويؤكد ذلك أن “ملحمة تكتيكال” قد نجحت في اعتمادها على توظيف عوامل الايديولوجيا والحماسة لدى المقاتلين المعارضين، بالإضافة إلى البنية الجسدية لعناصر قوات النخبة الذين تختارهم للتدريب، في تحقيق سمعتها، إلى الحد الذي شبهها الكثيرون بشركات الأمن الغربية الخاصة، وأطلق عليها البعض اسم “بلاك ووتر الجهاديين” كما قالت صحيفة “فورن بوليسي”.

وبحسب “أبو سلمان” فالكتيبة التي تأسست رسمياً عام 2016، لا تضم مقاتلين مرتزقة، ولا تهدف إلى التكسب، بل تسعى إلى تطوير أداء القوى الإسلامية، بالاستفادة من المهارات التي اكتسبها أفرادها، إن كان من المعارك التي خاضوها في سوريا، أو من التدريبات التي حصلوا عليها في جيوش بلدانهم الأصلية، حيث ينحدر أغلب أفراد “ملحمة تكتيكال” من دول اسلامية سوفياتية سابقة، على رأسها أوزباكستان والشيشان.

وقد بدأ توافد عناصر هذه الكتيبة إلى سوريا منذ نهاية 2012، وكانوا جزءاً من “جيش المهاجرين” الذي تشكل بأمر من القائد الأسبق لـ”إمارة القوقاز الإسلامية”. وتعرض الجيش للانقسام في 2014، بعد انضمام قائده “عمر الشيشاني” إلى تنظيم “الدولة الإسلامية”، مع أكثر من 700 عنصر من عناصر الجيش الذي كان يبلغ عدده في ذلك الوقت نحو 1200 مقاتل.

“أبو سلمان البيلاروسي”، إلتحق بـ”جبهة النصرة” وقتها، متأثراً بالقيادي القوقازي “سيف الله الشيشاني”، الذي قضى خلال معارك حصار سجن حلب في 2014. وساهم البيلاروسي في تأسيس قوات النخبة في “النصرة”، قبل أن يبدأ في 2015 العمل على تشكيل هذه كتيبة “ملحمة تكتيكال” المتخصصة بالتدريب، والتي تم الإعلانها عنها رسمياً في 2016.

وعلى الرغم من تأكيد قادة “ملحمة تكتيكال” جاهزيتهم لتدريب أي فصيل “بشرط ألا يكون خاضعاً للغرب”، وعلى الرغم أيضاً من تقديمهم دورات تدريبية لـ”حركة أحرار الشام” الإسلامية المحلية، إلا أن جهودهم تتمحور على العمل إلى جانب “هيئة تحرير الشام” و”الحزب الاسلامي التركستاني”، أقوى الحلفاء بين التنظيمات السلفية الجهادية على الأرض السورية حالياً. وقيادة “الحزب التركستاني” تعتبر المرجعية التي تمثل حالياً الجهاديين القادمين من دول الاتحاد السوفياتي السابق، ممن لم ينضموا إلى تنظيم “الدولة”.

قد يكون من سوء حظ هذه المجموعة أن تأسيسها جاء بعد بداية الانحدار البياني لفصائل المعارضة، التي كانت حتى العام 2015 تخوض معارك هجومية، قبل أن تنكفىء للدفاع بعد ذلك وتتعرض للهزائم غالباً.

ومن بين جميع المعارك التي شاركت بها هذه المجموعة، تعتبر معركة السيطرة على مطار أبو ضهور في ريف إدلب الانجاز الهجومي الوحيد لها. “أبو سلمان” أكد في لقاء صحافي في 2018، أن مساهمات عناصره ليست مقصورة على التدريب، بل تشمل المشاركة في المعارك المهمة التي شهدتها الأعوام التي تلت تأسيس الكتيبة، وبعضها كان ضد “الدولة الإسلامية” التي يناصبها “الحزب التركستاني” العداء منذ اعلانها الحرب على “القاعدة”. ولعل الأبرز في المعارك الدفاعية، هو السيطرة على تلة الحماميات بريف حماة، في تموز/يوليو 2019، حيث نسبت لـ”الملحمة” فكرة استخدام السلالم.

سياسياً، سبق أن عبرت “ملحمة تكتيكال” عن تفضيلها عدم تدخل “المهاجرين” بالشأن الداخلي للمجتمع المحلي، لكن الأهم هو خطابها الرافض لاستعداء وتهديد الحكومات والأنظمة بالمطلق، أي رفض ما يميز غالبية القوى الجهادية. “أبو سليمان” في لقائه مع موقع “الجزيرة نت” أواخر 2018، قال إن “هدفهم بعد نجاح الثورة السورية، هو الانتقال إلى أي مكان آخر يتعرض فيه المسلمون للظلم، لا الاعتداء على أي دولة أخرى”، كما دأبت “ملحمة تكتيكال” على التأكيد على حرمة استهداف المدنيين، بغض النظر عن ديانتهم.

وعلى عكس بقية الجماعات الجهادية في سوريا، فإن “ملحمة تكتيكال” لا تعبر عن موقف عدائي تجاه تركيا، التي تعتبرها بقية الجماعات المرتبطة بـ”القاعدة” في سوريا “دولة علمانية مرتدة يحرم التعامل معها”. كما أن “الكتيبة” تستخدم باستمرار مصطلح “الثورة السورية” الذي ترفض تلك القوى استخدامه غالباً، وأخيراً فإن قيادتها نعت عبدالباسط ساروت وتوعدت بالثأر له، في موقف ذي دلالة حتماً.

“ملحمة تكتيكال” تعتبر نموذجاً لكيفية صعود القوى الجهادية، بالاعتماد على الدعاية. إلا أنها تتميز أيضاً، باعتبارها الأولى بين هذه القوى التي تعلن أنها مستقلة عن الجميع، وإنها متخصصة بتقديم خدمات التدريب والاستشارة وتطوير الأداء القتالي. وذلك ما جعلها محط الاهتمام على الرغم من صغر حجمها.

المدن ٢١ أب/اغسطس ٢٠١٩

 

قد يعجبك ايضا