كيسنجر أم ماتيس..من أنقذ بشار الأسد من ترامب؟

عقيل حسين

جسر:صحافة:

في العام 2016 كان الرئيس الأميركي دونالد ترامب شديد الحماس وهو يعلن أمام جمهوره في “أوهايو” تعيين “الكلب المسعور” جيمس ماتيس وزيراً للدفاع.
لم يكن ترامب يسخر من وزيره، كما أنها لم تكن واحدة من زلّات لسانه، فالجنرال ماتيس، ضابط المارينز منذ ستينيات القرن الماضي، وصاحب التجارب العسكرية الواسعة، ومنها مشاركته في حربي أفغانستان والعراق، كان محبّوه يطلقون عليه هذا اللقب، إلا أن ترامب سيبدأ بشتمه لاحقاً والتهجم عليه بالفعل، بعد عامين من ذلك التاريخ.
شكل إعلان ترامب نيته الانسحاب من سوريا في كانون الثاني/ديسمبر عام 2018 وبشكل مفاجئ، صدمة لشركاء الولايات المتحدة في التحالف الدولي ضد تنظيم “داعش”، إلا أن الأمر بالنسبة لماتيس تجاوز ذلك، فأعلن عدم قدرته على الاستمرار في فريق ترامب، بينما سيخرج الرئيس لاحقاً ليؤكد أنه هو من طلب منه الاستقالة، كما اتهمه بالفشل وعدم تحقيق أي انجاز خلال عامين من توليه مهامه.
ويبدو أن اعلان ترامب الانسحاب من سوريا، والذي لم يترجم عملياً كما هو معروف، لم يكن يهدف إلى أكثر من التخلص من ماتيس، الذي لم يحقق جيش بلاده أو قوات التحالف في عهده أي انجاز كبير، وفوق ذلك كشفت الأيام اللاحقة أنه أسهم في عرقلة العديد من مخططات ترامب، ومن بينها اغتيال رئيس النظام السوري بشار الأسد.
فقد أكد الرئيس الأمريكي الثلاثاء أنه كان ينوي تصفية الأسد عام 2017 بعد ارتكاب قواته مجزرة الكيماوي في بلدة خان شيخون بريف حماة، إلا أن ماتيس “عارض ذلك”، بحسب ترامب، وفضل الاقتصار على استهداف مواقع ومنشأت تنتج هذا السلاح.
ويبدو أن ترامب أراد أن يظهر مختلفاً عن سلفه الديموقراطي باراك أوباما، عندما تراجع عن اعتبار استخدام السلاح الكيماوي في سوريا خطاً أحمر، واكتفى عام 2014 بنزع ترسانة النظام من هذا السلاح بعد هجمات مشابهة في ريف دمشق، لكن ماتيس أصر على أن يبدو أقرب في توجهاته إلى الديمقراطيين بينما كان في فريق أكثر الرؤساء الجمهوريين جموحاً .
لم تكن هذه المرة الأولى التي يتصرف فيها الجنرال ماتيس على هذا النحو، فقد سبق أن عارض الخروج من الاتفاق النووي مع إيران بالشكل الذي تم عليه، مفضلاً أن يجري تعديله لا الغاءه، ورفض بشكل قاطع تصعيد الهجمات ضد الوجود العسكري الإيراني في سوريا، بالإضافة إلى ملفات داخلية أخرى خالف فيها ترامب.
لكن هل الخلاف في التوجهات هو سبب معارضة وزير الدفاع الأمريكي الأسبق قرار ترامب تصفية بشار الأسد؟
وفقاً لرئيس معهد الشرق الأوسط في موسكو، يفغيني ساتانوفسكي، فإن قرار ترامب بالتراجع عن اغتيال الأسد لم يتأثر برأي ماتيس، إنما بدور روسيا في سوريا. ويقول ساتانوفسكي لصحيفة “فزغلياد” الروسية، إن “مسألة ما إذا كان الأميركيون سوف يسقطون الأسد لا يقرّرها ترامب، لأنه في اللحظة التي اتخذ فيها بوتين قرار إرسال قوات إلى سوريا، وجد الأسد نفسه في أمان مطلق”.
ويتفق الباحث الروسي في الشؤون الأمريكية دميتري دروبنيتسكي، مع ساتانوفسكي في أن الوجود العسكري الروسي في سوريا كان عاملاً مهما في ضمان أمن الأسد، لكنه يشير في الوقت نفسه إلى أن “الولايات المتحدة لم تستغل فرصاً عديدة للقضاء عليه”. وبلا شك فإن استخدام النظام السلاح الكيماوي للمرة الثانية على نطاق واسع عام 2017 واستعداد ترامب لتصفيته كانت إحدى هذه الفرص التي يشير إليها الباحث الروسي.
لكن محمد صبرا، المعارض السوري والخبير في القانون الدولي، يرى “أن الجنرال جيمس ماتيس كان يطبق نظرية وزير الخارجية الأميركي الأسبق هنري كيسنجر في ما يتعلق بالتعامل مع ملف بشار الأسد، وجوهر هذه النظرية هو عدم الإطاحة بالأسد قبل انجاز ترتيبات كاملة”.
ويضيف صبرا في حديث ل”المدن”، “لم يكن سبب التراجع عن قرار تصفية الأسد قانونياً، فالولايات المتحدة هي الدولة الأكثر خرقاً للقانون الدولي، وهي أقل دولة موقعة على اتفاقيات حقوقية عالمية، مثل إعلان حقوق الانسان وميثاق روما وغيرها، وهي لا تعترف بولاية كثير من الهيئات القانونية الدولية، وفي ما يتعلق بهذه النقطة، فأنا أعتقد بالفعل أن حسابات سياسية تتعلق بموضوع عدم رغبة ماتيس بالاشتباك مع الروس هو ما جعله يعارض مقترح ترامب، بالإضافة إلى التزامه بوصية كيسنجر”.
وتابع: “ماتيس جزء من تيار داخل الإدارة الأميركية يقول إن الإطاحة بالأسد من دون ترتيبات قد يؤدي لحالة فوضى كبيرة في سوريا ومذابح طائفية، وهذا يرتب التزاماً أخلاقياً على الولايات المتحدة لاحقاً ويجبرها على تدخل عسكري واسع”. وأوضح أن “وجهة النظر هذه قدمها كيسنجر في استشارته عام 2013 خلال محاضرة بكلية الدفاع الوطني التابعة للبنتاغون، والتي اعتمد عليها أوباما لرفض تصفية الأسد، وبقيت وجهة النظر هذه عند أغلب مسوولي وزارة الدفاع بسبب تأثر جنرالات البنتاغون باستشارات كيسنجر”.
لكن الحديث عن فوضى يمكن أن يتسبب بها مقتل أو رحيل بشار الأسد في سوريا يبدو أمراً مثيراً للدهشة اليوم بالنسبة للكثيرين، بالنظر إلى الواقع المزري الذي تعيشه البلاد بعد تسع سنوات من الحرب، التي خلفت مجازر بالجملة راح ضحيتها نحو مليون سوري، ما يفرغ نصيحة كيسنجر وتحذيراته من الفوضى والمذابح من أي معنى، بل وعلى العكس من ذلك، يرى الباحث الروسي دميتري دروبنيتسكي أن “القضاء المحتمل على الأسد لن يغير الوضع بسوريا، فزعيم أكثر صرامة موالٍ لإيران سيحل محله”.
ويبدو أن هذا بالتحديد ما كانت روسيا تسارع إلى إخبار الأميركيين أو تخويفهم به، في كل مرة كانت واشنطن تقترب بها من التخلص من بشار الأسد، وهو أن يكون بديله أسوأ وأكثر طائفية وأقرب إلى إيران، في إشارة واضحة، حسب الكثيرين، إلى شقيقه ماهر، لكن على ما يبدو فإن ترامب وجد مقاربة أخرى لهذه الاشكالية، من خلال العمل على إضعاف إيران ذاتها، وخاصة في سوريا.
من أنقذ بشار الأسد من ترامب إذن؟
هل هي نصيحة كيسنجر بالفعل، أم تردد ماتيس، أم تخوف واشنطن من بديل يكون أكثر قرباً من إيران هو ماهر الأسد، أم استراتيجية أميركية مقررة لسوريا، لا تبدو فيها نية ترامب هذه التي تراجع عنها (بغض النظر عن سبب التراجع) سوى رغبة عابرة لم تلق الاهتمام الكبير!

 

المصدر: صحيفة المدن

قد يعجبك ايضا